كان من اهم الاحداث التي تميز بها شهر اذار الماضي انسحاب اسرائيل من منطقة غزة وخليج العقبة ، بعد اخذ ورد طويلين في الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة . وقد لعبت الدبلوماسية اللبنانية ، ازاء هذا الانسحاب دوراً كبيراً ، كان بطله الدكتور شارل مالك وزير الخارجية اللبنانية ، الذي قدم مشروع فرض العقوبات على اسرائيل ، وتبنته كتلة الدول الاسيوية - الافريقية ، فحققت به هيئة الامم فرض هيبتها ، واستطاع العرب ان ينتزعوا المبادرة من اسرائيل التي اصيبت في الصميم .
وجاء في اعقاب هذا الانسحاب اعلان حكومة سوريا السماح باصلاح انابيب البترول المارة عبر اراضيها ، وبيان مصر بالسماح لهيئة الخبراء الدوليين في شؤون الملاحة ، بالعمل على رفع العوائق التي تحول دون استئناف الملاحة ، في قناة السويس .
وهكذا لم تمض بضعة ايام ، حتى تدفق البترول الى بانياس في سوريا ، والى طرابلس في لبنان ، وبدأت السفن الخفيفة الوزن تمر عبر قناة السويس ، تمهيداً لاعادة الملاحة على نطاق اوسع .
الى هنا بدا للمراقبين ان المشكلة القائمة في الشرق الاوسط ، اخذت تسير
في طريق الحل مبشّرة بالوصول الى تهيئة جو افضل للاستقرار والطمأنينة . ولكن لم تلبث ان برزت مشكلة اعادة الادارة المصرية الى قطاع غزة ، فقامت اسرائيل تهدد باستئناف القتال ، وتطالب الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة ، باعادة النظر في موقفها من الحكومة المصرية ، غير ان هيئة الامم والولايات المتحدة الاميركية ، لم تستجب لادعاءات اسرائيل ، وتهديداتها ، فاعلنت ان القرارات التي اتخذها مجلس الامن والجمعية العمومية ، لم تفترض قط عدم عودة الادارة المصرية الى غزة . فكان هذا انتصاراً جديداً للديبلوماسية العربية ؛ وسكتت اسرائيل عند هذا الحد . وان لم تكن قد اقتنعت بما حدث .
قدم الى مصر اولاً الدكتور رالف بانش مساعد الامين العام لهيئة الامم المتحدة ، ثم تبعه السيد هامرشولد ، وتباحثا مع السلطات المصرية ، والقيادة العامة لقوات الطوارئ الدولية ، وظنت اسرائيل ان محادثات رجلي الامم المتحدة ، ستفرض على مصر والدول العربية بعض تنازلات تكون في مصلحتها ، ولكن سرعان ما خاب فألها ، اذ ان محادثات القاهرة لم تتناول سوى قضايا الملاحة في السويس ،
والاتفاق على مشروع جديد لما يكون بمثابة الحل الحاسم للمشاكل القائمة بين الشرق والغرب . وصعقت اسرائيل ، عندما اذاع ناطق بلسان الامم المتحدة ، ان اي بيان لن يصدر عقب محادثات الامين العام الجارية في القاهرة .
وفي غمرة هذه الاحداث المتلاحقة ، وتهيئة الجو لمؤتمر برمودا بين الرئيسين الاميركي والبريطاني ومعاونيهما ، وصل الدكتور مالك وزير خارجية لبنان الى بيروت قادماً من رحلته الى مصر واوروبا ، واميركا ، فالامم المتحدة حيث ترأس الوفد اللبناني ، وسلم الرئيس شمعون رسالة خاصة من الرئيس ايزنهاور ، يشيد فيها بجهود الرئيس شمعون وحكومة لبنان الحاضرة ، من اجل اشاعة الوئام والاستقرار في ربوع البلاد العربية . ثم عقد الدكتور مالك مؤتمراً صحفياً تاريخياً اعلن فيه وجهة نظر لبنان في القضايا الدولية الطارئة ، وموقفه الايجابي من مشروع الرئيس ايزنهاور الخاص بالشرق الاوسط .
وكان السيد ريتشاردز مبعوث الرئيس الاميركي الخاص ، يقوم في هذه الاثناء بمباحثة السلطات اللبنانية في مبدأ ايزنهاور ، ثم لم يلبث ان يعلن في بيان مشترك مع الحكومة الاميركية ، اتفاق وجهات النظر الاميركية واللبنانية ، في كل ما يتعلق بالاوضاع الراهنة وحاجتها

