التفاح في الكيس ! اريد تفاحة !
وكأن الغلام لا يقوى الا بطغيان قوة الطفلة ، زجر :
سأحرق ثيابها ! ثياب العاقة ، الهاربة !
وتقطرت جملة امي مع دموعها :
ليتني لم احملها تسعة اشهر في بطني ! ليتني ... ليتني ...
وغرقت الأخت الكبرى ، في :
يا للعار ... يا ...
وهدأ الليل قليلاً ،
فانسحب الوالد يستقبل رجالاً ، في نبراتهم وجوم . واستغراب . وانكسار .
واشترك الغلام ، لأول مرة ، في اتخاذ رأي ، وتنفيذ مهمة ، مع الرجال ..
ونامت الطفلة ... الى ان انبلج الصبح .
في الصباح عم البيت وجوم خطير ، فأدركت - انا - وقوعي في المأساة ، وباشرت بمعاناة دنامتها !
فتشت عن الابطال الذين احيوا ، بالأمس ، المأتم الشرقي الفخم ... فاذا امي قد اكملت تقطيع رحمها ! واذا في رأس والدي ، كمشة شعرات بيضاء ، فوضوية الولادة ! واذا في عيني الغلام ، شرارات تحدي ، وأطياف اماني فجة ، لا يحققها الا ليل ! واذا على شقي الأخت الكبرى ، حسد يغلفه تهيب ، وتحفظ ، ومقت للرجال ! واذا الطفلة فكرة مجرمة ، في كل رأس !
واذا انا ...
استجمعت انا وعي الذي بعثته
المفاجأة الهائلة ... فاذا على اعينهم ، غشاوة تتدلى مكان الحرق البيضاء !
ما هذه الغشاوة ، ما هذه النظرات الحائقة التي يغرزونها في جسدي ؟ أيحسبونني مثلها بطلة شعبية ، مبتذلة ، برعت بتمثيل دور هزلي ، اقتبسته من جدتها ... وجدة جدتها ... ؟
ثم ، اية صلة تربطني بها ؟
صحيح ، انها كانت فيما مضى ، اختي : كنت انام معها في فراش واحد لكثرتنا ولقلة عدد الأسرّة . وكنت امسك بيدها واجرجرها خلفي الى المدرسة ، او في نزهة مبتكرة ، في زواريب الحي ... وبينما كنت امضي وقتي مع الكتاب ، كانت هي تنهمك ، ودوماً ، في تفصيل ثوب لدمية . واقتطاع بيت لها ، في طرف الغرفة : جدرانه المساند . والكراسي . والشراشف ..
اذن ، كانت رغبة الانسلاخ عنا ، متأصلة في جبلتها .. عبّرت عنها في كل نظرة . وكل حركة . وكل تصرف .. لكن الذين يبرعون في احياء المآتم الفخمة ، يحاولون تفهم نفسية اطفالهم ، وصقلها ، وتوجيهها ... لماذا ؟ لانهم لولا هذا المورفين : البكاء ، واللطم ، والاستعانة ، وصراخ : يا للعار ... لما انجبوا اولاداً !
انا امقتها ! امقت هذه البطلة الشعبية السخيفة !
لا ، لانها استبدلت المساند بحجارة . ورب البيت الموهوم ، برجل شرعي فاتن . والدمية ، بجنين يتحرك ...
لكن ، لانها رمتني عمداً ، في غوغاء ناس ، يطلقون علي صفاتها . ويجذرون
مني ثورة سوداء !
اية صلة تربطني بهم ؟
هذه العيون الذليلة ، تطلب مني تضحيات قدسية : تعيدني صاغرة الى بيتهم ! تربطني عبدة مطيعة ، في عاداتهم ! وتسمرني بلهاء ، في سيول كلماتهم الفارغة !
انهم يخافونني ، وانا اخافهم !
اكاد أجبن ، فمتى سأكف عن : زم شقيّ اذا فتح ، احد الزملاء ، الابتسامة عليها ؟ من الزوغان على مقعدي ، اذا مدد الاستاذ محاضرة التاريخ ، مساء كل خميس ، الى ما بعد الثامنة ؟ الخجل الشائن ، اذا التصقت تنورتي الضيقة ، بساقي ؟ عن تجسيم شرف العائلة « غشاوة شفافة مقدسة » ، في عملي ، ونومي ، واحلامي ... ؟
متى سأثور ؟
سأثور ! سأقطع الخيط الذي يربطني بالهاربة ، ومنظّمي المأتم الشرقي !
سأثور ! فليتأنّ من يحب ثورتي . فليهدد هياجي العنيف ، كل من يؤمن بعطائي !

