الى دمشق ... انطلق كلما اومأت الفرصة او دنت ، فحبي لهذه الجارة لا يقاوَم .
قد يظن البعض ان ما يجذبني اليها غوطة عبلى او نهر مضفور او مربع مستلق . كلا اقول لهؤلاء «البعض»...
لي في دمشق نزهة «الحميدية» !
يستهويني في هذا السوق سقفه الاحدب ودكاكينه المغلقة ومنعطفاته المستترة وزهوة الوانه واهازيج باعته ومجاملتهم العابرة ، وانكسار نوره...
سوق الحميدية مهد طفل من الماضي تلك البارحة التي ندفعها الى الوراء فتدبر واسفاه ويذوب ظلالها...
رومنطيقية الماضي ارتاح اليها واهفُ ... واتمنى لو تعودني بين الفينة والفينة فتلفحني بالحلو البسيط ... بالحلو البلدي - بجلونا !...
وحتى قدميّ تنعتقان من لجام التعب المتحكم فتسرحان ذهاباً واياباً في شارع السوق ... ولو يتسع صدر جيبي لحملت من الحميدية الكثير مما يزين الاذن والشعر واليد وزوايا الغرف ..
ولذا كان عليّ ان احج هذه المرة كالعادة قبل ان اقرع باب السيدة ثريا الحافظ رئيسة «منتدى سُكينة» الدمشقي فاجتمع بها وباعضاء النادي بارة بوعدي . نرى اهو وعد هذا الوعد ام موعد مطلق يحدده شوق ورغبة مني ؟!.
«منتدى سُكينة» له عندي صورة تحفظ ...
كفاه انه يرعى الادب ويقيم مواسم له وكأنه يُرجع ايام بنت الحسين الذواقة الانيقة ...
وسكينة ، اتذكرون ؟ قبل مدام دورامبويّ (de Rambouillet) ادخلت الى المجالس حديث الادب . ورفساته المستملحة .
ترحاب السيدة ثريا بي لم اكن استحقه كله وان كنت استند احياناً بجلاوة الصدف !.. ولكنها كما يبدو على موعد دائم مع الزائرين ! فالسيدة حافظ من النخبة الاصيلة ، من اللواتي تعمل يسراهن شيئاً لتعمل يمناهن اشياء ...
اسرعت سيدتنا الى الهاتف الهاتف تدعو الاعضاء والعضوات للاجتماع بشاعرة ... من لبنان !
وانا على المقعد اشبك اصابعي وابتسم .. لقد افحمني هذا النعت المستبق ...
ربع ساعة مضت واذا بعزيزة هارون والدكتورة طلعت الرفاعي والاستاذ محمد الجزائري يؤلفون حلقة من اهل الادب في الشام .
اما اللطيفة عناية رمزي فلم ادر ولا الهاتف يدري اين كانت ذلك اليوم . ولم انسَ نزار قباني وقد وعدت اذني بجديد رقّاص منه ولكن مرضاً مزعجاً كبله
فحوق لنا على كل حال !..
كانت هذه اول مرة اصافح فيها الشاعرة عزيزة هارون . فوقفت احبك حولها شباكاً من نظراتي اذ استوقفني فيها اشياء واشياء قبل ان تتكلم !..
عزيزه هارون شاعرة وعروسة شعر ! في وجهها طلاوة متحفظة ومن صفحته تقرأ القليل مما تحمل .. حتى ابتسامتها صغيرة ولكنها ابتسامة انسانة لا ينغلق قلبها على حب ضيق معتكف .
تحدثت اليها طويلاً فكان كلامها حبيب كلامي .. ما احيلى الصدف !
قالت انها لن تنظم شاعريتها خضوعاً لظروف عابرة وان استبدت . فهي تعيش لهذا الجدول الفياض الذي يسري في نفسها فتغرف لنا منه حفنات من الالوان في كؤوس من الفضة والذهب !!.
سألتها عن ساعات النظم فقالت انها من لحظات التجلي ، اتنازل فيها عن رغبتي بالاتصال بما حولي فاقفل نوافذي واغرق في بحيرة عجيبة تحيي ولا تميت ! وهذا الغرق المنتشي ، الفته عزيزة وهي طفلة في الثانية عشرة من عمرها .
غنت لنا شاعرتنا قصيدة حب وقصيدة وطنية وقصيدة اجتماع . ومهما اختلفت الالوان فشعر عزيزة نسمة صبا مباركة .
سمعتها تخاطب الحبيب وتذكره بانفة نسوية ، يحبها الكل ، انها هي التي [...]
