مَن مِن الناس يزعم انه يملك جمالات الطبيعة؟ او انه يملك شيئاً يضاهي في جماله القبة الزرقاء المرصعة بالكواكب والنجوم، المنوّرة بأشعة الشمس او المزدانة بزخارف الغيوم؛ من يدّعي ملكية البحر الواسع الذي يروعنا بهياجه، ويبهجنا بهدوئه؟ والجبال التي ترسم في اعالي الفضاء قبابها وتعمم بالثلوج رؤوسها وتلف اعطافها بوشاح من الخضرة والزهر، من يستطيع ان يدّعي ملكيتها او يمنع على الناس بأجمعهم ان يستمتعوا بجمالها؟
لمن الاشجار الباسقة الوارفة الظلال، والمغاور العجيبة في تكوينها، والشلالات المتدفقة والكثبان والواحات والامراج والغابات؟ والطيور المزقزقة والحشرات الملونة والاعشاب والاغصان التي تتمايل مع النسيم؟ كل ما في الطبيعة من جمال ساحر، من متعة للعين والقلب؛ جميعه حُسنٌ مباح وجميعه مشاع لجميع البشر يستمتعون به دون ثمن، ويقدره كل منهم حسب مفهومه للجمال ومقدرته على الاحساس المرهف والشعور العميق.
أجمل ما في الطبيعة هو مُلك البشر اجمعين. وأجمل ما أنتجه الفكر البشري وبناه عقل الانسان هو ايضاً مُلك البشر اجمعين، يتناول منه كل فرد، ويسهم في امتلاكه كل فرد، على قدر استعداده للفهم والتذوق.
الآثار الفنية الكبرى تجتمع في المتاحف العامة المنتشرة في انحاء العالم. وفي وسع كل انسان ان يشاهد تلك الروائع، متنقلاً بين صفوفها، يرتوي من محاسنها ويتأمل بدائعها ما وسعه التأمل.
والروائع الفكرية المختزنة في الوف الكتب. من الالياذة الى محاورات افلاطون. الى رسالة الغفران وملحمة دانتي ومسرحيات شكسبير وقصص بلزاك وديكنز وطاغور. من يستطيع ان يملكها دون غيره من البشر؟ هي ايضاً من صنف البركات المشتركة والخيرات العامة. من صنف المشاع الذي لا يمكن لأحد احتجازه او احتكاره.
ابدع ما في الحياة أشياء لا نملكها. وهذا من عجيب حكمة الخالق. ومن اسمى آيات الطبيعة، التي تلقي على الانسان المطبوع على الجشع أمثولة في البذل. ودرساً في الحياة الحيّرة السمحاء. فتوزّع أفضل خيراتها مجاناً دون ثمن. وتترك ما بقي من خيرات هزيلة لافراد ينفقون حياتهم في جمعها ويبذلون في سبيلها عرق جباههم، ودماء قلوبهم.
والانسان ايضاً، الذي تتجلى فيه قدرة الخالق، ويقف في الذروة من بدائع الكون، هو ايضاً من صنف الروائع التي لا يستطيع احد امتلاكها. انتاجه الرفيع من علم وفن هو مُلك البشرية. وسِيَر العظماء ومآثرهم في ذمة التاريخ الذي يذيعها على العالم ويخلدها في بطون الاوراق. والجمال البشري الذي يتبع العين هو ايضاً جمال شائع بين الناس، سواء اكان حياً مجسماً ام مصوراً في لوحة فنية ام خيالاً على الشاشة البيضاء. هو مثل الجمالات الكونية، غير قابل الامتلاك.
كان الانسان قدماً يملك غيره من بني البشر بعقد بيع او بحق يمنحه اياه الغزو والسبي. وكانت بيوت الحكام وذوي اليسار تعجّ بالعبيد والمماليك الذين قذفت بهم ساحات الحرب واسواق الرقيق، لكن عهد الرقيق قد انقضى. وليس في الاقطار المتمدنة من يدّعي ملكية اشخاص من بني جنسه.
وكانت هناك انواع اخرى من العبودية، حين كان الملك يدّعي مُلك رعيته فيرفع منهم من يشاء ويُذلّ من يشاء. وحين كان الرجل يملك زوجته فيتخذها آلة في يده. والاولاد ملك الاب او ملك الوالدين الذين يحيطونهم بعطف مرهق وعناية نهمة ويعرضونهم امام الناس كالبضاعة المكتسبة والدمى المزينة.
هذه ايضاً انواع من العبودية آخذة في الزوال، مضى عهد الملكيات والعروش. واخذت المرأة تأنف من معايشة الرجل الذي يسحق شخصيتها ويسخرها لمآربه ولا يعاملها معاملة الند للند. وبدت طلائع تحرر الاولاد من ملكية الاهل، لان الاولاد ايضاً من صنف الكنوز الشائعة. يشترك في تكوينهم
— البقية على الصفحة ٥٠ —
٨