
قصر اللكسمبور في باريس هو مقر مجلس الشيوخ الفرنسي ، وفي حديقته الغناء لجهة شارع « داستاز » اغراس من الاجاص شدّت اغصانها الى عيدان حديدية ذات اشكال هندسية لطيفة .. وفي ايام الربيع تبدو هذه الاغصان مشكوكة بالبراعم المشعشعة الزاهية ، لا ابهى ولا اروع !! يحوم عليها النحل في زوغان طنينه الحلو الرتيب ، حتى اذا عقدت الازهار ثماراً ، فرّدها البستاني ، على مرأى من روّاد الحديقة المتنزهين وغلفها بالورق واحدة واحدة ليصونها من الحشرات ، حتى اذا تم نضجها حملها هدية فاخرة الى رئيس مجلس الشيوخ ...
والى جوار اغراس الاجاص يوجد اشجار كبيرة من الحور والكينا ، تمتد بينها مرجات موّاجة بالخضرة المرشوشة بالزهر الملوّن ... وفي ركن منعزل بين الاشجار العالية المتعانقة ، كان يطيب للآنسة اولغا الاستلقاء على العشب ، تطالع وتكتب ، واشاركها كلها
انا احياناً هذه الجلسات الممتعة الهادئة ، فاذا عنّت لاحدنا فكرة عابرة ، عرضها على رفيقه بأناة ، وتلا العرض مناقشة على الصعيد الفكري العالي ، يكون الدور الاول فيها ، على الغالب ، لاولغا .
فاجأتني مرة بالسؤال ونحن في احدى خلواتنا : - اليس من غريب الصدف في امرنا نحن الاثنين انت من اطراف آسيا الغربية شرقي البحر المتوسط ، وانا من اطرافها الشرقية ؟ .. ان نلتقي هنا في باريس - المدينة الفاتنة بين المدن - وفي هذه الحديقة الحسناء بالذات ؟ ... انها حقيقة اشبه بالحلم ! »
كانت تتكلم بهدوء ، مائلة اللحظ عني ، الى عصافير من الدوري تتلهى بمداعبتها ، ناثرة لها فتات البسكوت على مدى يدها ... فتقرب العصافير اولاً بحذر ، ثم بشيء من الاطمئنان ، حتى اذا ارتاحت الى انها في امان ، حطت على كتفيها وعلى ذراعيها وحضنها وراحت تنقر الفتات من بين اصابعها ، وتتدافع عليها ، بالاجنحة المنثورة حيناً والمطوية حيناً آخر .... - كل هذا وانا صامت لا ابدي حراكا لئلا اجفل هذه المخلوقات الصغيرة فتهرب وتحرمنا انسها ... ولم اشأ كذلك ان اعكر صفو تفكير اولغا ، البريء كل البراءة ... قالت :
- « انا وحيدة لابويّ ... والدي صديق الكونت « ليون تولستوي » وثمة قرابة بعيدة بين والدي والكونتيس ... من ذكريات طفولتي ان والديّ كانا يصحباني معها الى « يازنايا بوليانا » مقر عائلة تولستوي فكان الكونت ليون يلاعبني ويجلسني على ركبته بحنان ويتركني
يمسّ لحيته بكل ما في الطفل من فضول ... وهو منصرف الى مباحثة والدي في شتى المواضيع ... اذكر يوماً انها كادا يتخاصمان لاختلافهما في الرأي حول مبادىء الفيلسوف الالماني « نيتشيه » .. والدي كان من المعجبين به ... بعد سنين طالعت بعض مؤلفاته ، انما ليس بالحماس الذي تصورت اذ كنت متأثرة باوصاف والدي ... »
هنا التفتت اليّ تسألني فيما اذا كنت قرأت شيئاً من نيتشيه .
- كلا ...
وعلا زعيق العصافير تتناقد في شبه معركة على كسرة بسكوت ، فتنهرها اولغا باصبعها ، في منتهى اللطف : « بلا عركة .. اليكم هذه الدفعة الجديدة من البسكوت .. كلوا ولا تتعاركوا ! »
« لقد سعى الكونت ليون لوالدي فعيّنه القيصر بين اعضاء « الدوما » ( مجلس النواب ) فكان والدي اول رئيس لاول « دوما » .. في ذلك الظرف كدت ادخل القصر وانضم الى حاشية الامبراطوره « الكسندره فيدروفنا » لكن ذلك لم يرق لوالدي . كما انه بدوره فضل الابتعاد عن السياسة وعن القصر ليدير جامعة تومسك البعيدة ... اذكر جيداً ما قاله لي مرة : - « القصر يا ابنتي معفن الجو ، حتى ان احد الرهبان اخذ يسرح ويمرح فيه ويفسد اخلاق النساء الحسناوات ... الآخرة قريبة ، يقول الكونت ليون »
بعد فترة سكوت ومراقبة عصافير الدوري في لعبها وعبثها ...
- « مسكين الكونت ليون .. انه الآن في حالة حرب مع امرأته ... وقد
