كتبت الى والدتي تشكو اليها سوء الحالة ... فاوصتني والدتي بان اتوقف اثناء طريقي الى باريس في موسكو، واعرّج على يازنايا - بوليانا وانصح الكونتس برفق ان تترك زوجها - وقد جاوز السبعين - يعيش حياته على هواه، ودون معاكسة ... وقد تبين لي بعد مقابلة الكونتيس انها تريد من زوجها ان يحفظ مقامه، ويحرص على الظهور بالمظهر الذي يليق باكبر كاتب في روسيا ... وقد شاهدته بهاتين العينين يرتدي ثياب «موجيك» ويمشي حافياً ليس فقط داخل البيت، بل ايضاً خارجه، ويغسل قميصه بيديه على الرغم من وجود الخدم ...
يمتنع عن مقابلة الزائرين والزائرات الذين يقصدونه من اماكن بعيدة - يمتنع ويصرّ على الامتناع هكذا بدون سبب ... ويعاشر الفلاحين، وقد اهداهم معظم املاكه وضياعه. ومن احاديثه لي حول هذا الموضوع : «نعل فلاح» يا اولغا، يساوي في نظري كل الغنى والشرف ... انا اعرف الاشراف .. عاشرتهم زمناً ... كنت واحداً منهم ... ولا انسى ما دمت حياً كيف اني وجدت يوماً بعدما قضيت الليل ساهراً في احد القصور، سهرة اكل وخمر ولهو ورقص ...
وجدت عند الفجر ... الحوذي المسكين مجلداً من شدة البرد ... ميتاً على كرسيه ... في انتظاري !! آه يا بنيتي كيف لي ان انسى هذا المشهد ؟.. اؤكد لك ان هذه الحالة لا يمكن ان تدوم ... الآخرة قريبة !..»
- اغتنمت فرصة ارتياحه الي واسترساله في حديث انساني حنون، وتلفظت، همساً، باسم الكونتيس، على سبيل التوفيق بينهما، فما كان من الكونت ليون الا ان غضب وحملق عينيه مؤكداً لي : «ان على الرجل والمرأة، ان يتوصلا في حياتهما الزوجية الى العفة الكاملة» ... لم افهم تماماً ما عناه بهذا القول، وحاولت من جديد ان اقول شيئاً فقاطعني بنزق وانهى حملته واقفاً على قدميه : - «نحن يا بنيتي نعيش هذه الحياة البليدة التي لا تحرز العيشة لانه ليست لدينا الشجاعة الكافية لترك الحياة»..
قال هذا وانصرف عني تاركا اياي كتلة من الحيرة والاضطراب. مرّت فترة سكوت ثانية قبل ان تعود الآنسة اولغا الى الكلام :-
- «والدي الان على اتصال ببعض الناقمين على سوء ما آلت اليه الحالة في روسيا .. هم يجهلون .. لا اعلم باي «اصلاح» باي «انقلاب» . وقد كتب لي ان احد اصحابه «ولدمير» سيمر بباريس في طريقه الى لندن لحضور مؤتمر سياسي، ويوصيني والدي ان اكون في خدمته واسهل مهمته وما عساي ان استطيع فعله ؟!.. انا اكره السياسة .. ولا اريد اهمال «دروسي» ...
واضافت بلهجة خاصة وقد عبقت وجنتاها :- «وهذه المرجة الخضراء ... واصدقائي العصافير ... والهنيهات الناعمة ؟»
كنت انا طول هذه المدة منصتاً الى حديثها الشيق ... بل اكثر من ذلك ... كنت عالق العين والقلب في انفعالات وجهها الناقي البياض، وفي يديها الناصعتين وكيف تلتفّ عروقها - حتى عروقها - في فرط تناسق وانسجام، واتحاشى النظر الى عينيها تشردان عني الى البعيد ... الى ان ابتدأ الهواء المصقع المندّى
يلفحنا، وقرب موعد افتتاح المعهد الفني ... فناولتني الآنسة اولغا يدها البضة، وساعدتها على النهوض، ثم راحت تساوي الشال وتلفه حول كتفيها بحركة انثوية لطيفة، ومشينا جنباً الى جنب، على الحشيش، في خروجنا من حديقة اللكسمبور..
فجأة قطعت عليّ تفكيري، او كأنما ارادت ان تنقلنا معاً الى جو جديد ... قالت : - «كم يعجبني صديقك جبران ! يعجبني فيه طموحه للوصول الى البعيد .. عندما يتكلم يخيل الي اني ارى شبه هالة حول رأسه ... وكم يلذلي سماع احاديثه .. هي دائماً معطرة بشيء من روحه الجميلة !! ترى، هل من امرأة في حياته ؟! اعني لا بد ان تكون في حياته امرأة !...»
والتفتت نحوي كمن يريد الجواب .
ربما ذلك ... من المعقول جداً، انما انا ليس من طبيعتي

