الغفران منها ، فرفضت ان تراه رفضاً باتا واوعزت الى اخيها ان يعطيه بعض الدراهم ويرسله في الحال الى الاستاذ عدنان الحكيم ليبقى في عهدة بيت النجادة ..
عشرون يوماً في بيت النجادة :
وهكذا جمع احمد ثيابه وتوجه - طائعاً - الى بيت النجادة ، وتشير التقارير في ملفه الخاص هناك انه لم يكن سلوكه يدل على انه استقر واطمأن الى مصيره الاخير ... فهو ابداً فلق عينه وقلبه خلف المجهول الغامض ... وانه يساوم على ثيابه التي جهزه بها الصليب الاحمر ، ويبيعها قطعة قطعة ليشتري ماذا ... غير سكاير « لوكي ستريك ! » اليس مبكراً التدخين على ابن السادسة عشرة ؟ ! ...
وتحاول الادارة ضبطه وحمله على التقيد بالنظام والابتعاد عن المخالفات الصبيانية ، والسلوك مسلك الصدق والاجتهاد والاستقامة ، لكن سدى فما اسهل ما يختلق احمد الكذبة ، ما اهون ما يؤلف الاراجيف ويتلاعب ، وهو هناك آكل شارب مقيم ... انما في غير ارتياح الى الجو واستسلام الى الوضع ..
على الحدود الاردنية : افتقدوه في بيت النجادة يوماً فلم يجدوه . لا ريب انه الآن تمرن على الفرار وامسى اكثر اتقاناً لفنونه واساليبه ... وقد حمله خياله هذه المرة ابعد من المألوف ... وها شرطة الامن على الحدود الاردنية تلقي القبض عليه هارباً دون جواز سفر ... لعله كان يرمي سهمه الاخير ويلعب ورقته الاخيرة للبحث عن اهله ، لانه كان شديد التحرق للعودة الى العش العائلي في كنف امه وابيه وبين اخوته ، وقد سئم التنقل من بيئة الى بيئة ، وقرر بان يعمل المستحيل في سبيل الاجتماع بهم
ثانية . لم يكن يصدق ان اختفاءهم نهائياً من حياته امر ممكن الحدوث ! .. في هذا الشوق الملتهب في صدره كان احمد يسعى وراء المجهول - يريد ابويه ! ..
مؤسسة الاب قرطباوي هي الحل :
وفي هذه المرحلة اتصل احمد بالاذاعة اللبنانية وطلب مساعدتها للبحث عن اهله وتوسل الى كاتبة هذه القصة بان تساعده لبناء حياته من جديد - «اريد ان ادرس مهنة شريفة تؤمن لي عيشاً كريماً» .. وبعد تفكير طويل وجدت الحل الوحيد اللائق في مؤسسة الاب قرطباوي تلك المؤسسة الانسانية الفريدة من نوعها في الشرق العربي ، التي تؤاوي الفتيان والفتيات وتؤمن لهم اتقان مهنة وتوجههم توجيهاً خلقياً قوياً ...
هكذا سعت كاتبة القصة الى الاب قرطباوي وقصت عليه حكاية احمد من اولها الى آخرها واطلعته على المخاوف والهواجس التي تثور في صدرها ، كأم ، وتوسلت اليه ان يحتضن احمد في مؤسسته ... ووعد الانساني الكريم بان يقبل احمد ووافق على ضمه الى اسرة المؤسسة .
احمد يعصى ويتمرد : شكرته بحرارة وتأثر ... واسرعت تبحث عن احمد لتنقل اليه خبر نجاحها فيما اراد وتبشّره بانه بعد اليوم سيتوفر له العش الدافئ ، والجو الاخوي المطمئن ... فيعوض عما عاناه من حرمان ووحشة .. واستعانت بالآنسة عرمان التي كانت تتبع خطوات احمد من بعيد لبعيد محاولة هديه واعانته لئلا يقع في المزالق المبثوثة في كل موضع من محيطه ... على المرفأ ! ..
وتلكأ احمد عندما وصله النبأ بان الاب قرطباوي مستعد لاخذه حالا .
وسبب تلكؤه انه كان في هذه الاونة قد بدأ يتعاطى الاشغال المتنوعة التي تحتاج ابادي فتية على المرفأ - من حمالة وتنظيفات - كلها متعب مضن - لكن احمد كان بحاجة الى الاربع ليرات يومياً - وزاد رغبته تعوده على هذه الاشغال وارتفاع اجرته اليومية .
نهاية قصة احمد : وكان في الحين والحين يتصل بالآنسة عرمان تلفونياً ويطلب رضاها ويطلعها على آخر الاخبار ، فتؤنبه لعدم الحضور وتؤكد له انه على ضلال في رفضه هذا المركز الممتاز في مؤسسة الاب قرطباوي الذي سيفتح في وجهه ابواب الامل لمستقبل شريف ... وكان يعدها بانه آت في الغد ... ويتخلف دائماً عن الحضور .. ويختلق الاعذار الواهية ... حتى جاءها اخيراً يقول : انه يعمل على مركب مصري ويتقاضى اثنتي عشرة ليرة في اليوم !
قد تكون هناك مبالغة في الرقم الذي ادعاه احمد انما لا ريب ان هذه الاجور الضخمة التي اتيحت له بعد حرمانه الطويل ، طمعته في البقاء نهائياً على المرفأ ، لا سيما وانه تمكن ، بمساعدة الاستاذ رضى التامر ، من الحصول على تذكرة هوية ، فازيلت العقبة الاخيرة في سبيل انطلاقة في الحياة كرجل ...
هذه نهاية قصة احمد شوقي ابي زيد - انه الان بحّار جوالة على ظهر مركب مصري ، وهو مسرور بنتيجته ، سعيد مع رفقائه البحارة ... ومتى عاد مركبه الى مرفأ بيروت فهو حتماً سيتصل بالآنسة عرمان وقد يزورها حاملاً لها هدية نفيسة من بلد بعيد ... لانه لا ينساها ، ولا ينسى الحنان الذي بذلته في سبيله يوم كان في حاجة ماسة الى الحنان !
