لسوف نتزوج . وجاء دوري في التحرج .. ورحت ابتهل اليه ان يسمح لي بالرحيل ، وتناول يدي بين يديه ثم نظر الي مجدة وقال : غداً سوف اجتمع بالمستشارين ، سوف اخبرهم عن نيتي هذه ، واذا رفضوا بقائي على العرش ، فسأتخلى عنه بكل طيبة خاطر .
وانفجرت باكية ، ان مجرد التفكير بذلك جنون ؛ ورحت اعنّف نفسي على تأخري ، كان من المفروض ان اترك لندن قبل ذلك ، واجتنب وقوع هذه المشاكل ؛ وتساءلت عن المانع ، فكان الجواب واحداً : عجز المرأة عن مقاومة رغبة الرجل الذي تحب .
صباح الاثنين في ١٦ تشرين الثاني ، عدت الى منزلي واجمة ولما اقترب وقت العشاء ، كالمني دافيد ، واخبرني انه حاول استشارة المسؤولين في قضيتنا ، وللآن لم يحدث اي تقدم ! ..
حين التقيت بدافيد في لندن كانت عمتي برفقتي ؛ وكان هناك اقتراح جديد بشأن زواجنا ؛ ان يبقى الملك على عرشه ، ولكن الزوجة الغريبة لا تصبح ملكة .. ولكن المجلس رفض الفكرة تماماً ، وكانت قد ألغيت قانونياً منذ قرن ...
كانت الايام التالية من انعس لحظات حياتي ، وكأن الخبر انتقل الى ألسن الناس . فباتوا يتابعون خطواتي . ورصدت العيون حول منزلي ، فكانت عمتي لا تنظر مرة من خلف ستائر النافذة ، الا وترى المارة على الرصيف ، يقفون ويحدقون .
ليس هذا فحسب ، بل راحت تردني رسائل من مصادر مختلفة ، بعضها يحمل النقد اللاذع ، ويحمل البعض الآخر التهديد والوعيد ؛ كان هذا اول اختبار
من نوعه يمر بي في حياتي ، ولا انكر بانه اختبار قاس جداً . بدأت اشعر باني حيوان مطارد ، وكان يزيد في ضيق صدري تفكيري بالمصير الذي سيصل اليه دافيد ، ولم أشأ ان احمله اكثر ، فصمت على مضض .. لكنه علم بإشاعة مؤداها ان جماعة من المتآمرين ينوون نسف منزلي .
وفي صباح الجمعة ، وكان المجلس ملتئماً ، ارسل لي دافيد رسالة بخط يده ، يحذرني فيها ، ويدعوني مع العمة بيسي الى مغادرة لندن في الحال ؛ ونصحني بان الجأ الى القلعة ، حيث لا يجرؤ احد ان يقترب ؛ واضاف يقول انه سيمر بعد ظهر ذلك النهار فينقلنا بسيارته ، على الا يعلم الخدم بذلك .
وفي السادسة من مساء ذلك النهار ، جاء دافيد كما وعد ، وحينما كنت اجيل النظر بأضواء لندن خلفنا ، لم اكن اعلم باني لن اراها مرة اخرى قبل ثلاثة اعوام .
وحتى جو القلعة لم يعد ذلك الذي عهدته من سنوات ، كانت وجوه الخدم متجهمة ، والصمت يخيم في كل مكان .. ويدعى دافيد بين لحظة واخرى ليجيب المخابرات الهاتفية .. ولم يعد بامكانه ان يخفي عني تأزم الحالة السياسية ؛ وبعد ظهر يوم الاحد من ذلك الاسبوع ، ادخلني الى المكتبة وراح يعيد على مسمعي آراء المستشارين ، ورجال البلاط ؛ لم يكن هناك اي امل في زواجنا ... وشعرت ان عزائمي كادت تخور . وتحطمت نفسي امام صراع هذا الجبار الذي يعمل المستحيل من اجلي .. وقاده التفكير الى عمل اي شيء من اجل كسب الرأي العام في سائر انحاء الامبراطورية ؛ فكر ان يذيع حكاية
حبنا ، ليكسب بها عطف الشعب .. ولكن كان عليه ان ينال موافقة المجلس قبل ان يقدم على ذلك .
كنت خلال ذلك كله ، اقيم في القلعة مع العمة « بيسي » .. وفي ٢ كانون الثاني ، عاد دافيد من لندن ، ليتناول طعام العشاء في القلعة ، ولم اكن بحاجة لاسأله عما جرى ، فقد دلتني على ذلك علامات الالم والحنق المرتسمة فوق وجهه . ولم يذكر امام عمتي شيئاً ، لكنه حكى كل شيء عندما اختلينا في حديقة القلعة .. لقد اخبرني ان كل المساعي ذهبت سدى ، ولم يعد امامه سوى احد طريقين : اما ان يضحي بي ويبقى على العرش ، او يضحي بالعرش ليتزوجني ، ولم يكن مستعداً ليتخلى عني مطلقاً .. لكنني لا ارضى مطلقاً عن تنازله . ان مكانه فوق العرش ، وعلى رأس شعبه .. ولم يكن يسمع كلماتي ، كان بعيداً عني ، وقررت ان استلم بنفسي زمام الامر بقدر ما يمكنني ذلك .
وبعد صمت لحظة قلت له بحزم : عليّ ان امضي يا دافيد ، عليّ ان اخرج من حياتك ، كان يجب ان افعل هذا من زمن ، ولكن لا يزال الوقت مناسباً ، ولن تمنعني عن تنفيذ قراري اية قوة .. ولحسن الحظ لم يجادلني ، بل بدا لي كأن حمله خف ، وتمم قائلاً : انه يصعب عليّ ان ادعك تذهبين ، ولكن بقاءك صعب كذلك .. خاصة وان الصحافة نقضت اليوم وعدها بالصمت . وغداً سوف تتناول قصتنا ألسنة الخاصة والعامة .. لذا اراه من الافضل لك ان تتركي ..
وعندما دخلت القلعة اخبرت عمتي بما قررت ، فلم يدهشها الخبر ، وكأنها علمت ما جرى بالغريزة ... وانتظرت
