


غناني شاب:
اي فنان؟
اي فنان فتت اوراق الوردة. وتعمشق على السماء، فقطف نجمة. ثم غطس في الجحيم، يختطف جمرة، ليبني قصر الفتنة على شفتيك؟
اي عفريت هذا،
الذي الصق بيدك اصبع حمرة، تصوبينه قاتلة الى كل قلب؟
واجبت انا ببرود، بكل البرود:
انه كارفن: احمر شفاه كارفن.
فاحمرت اذنا الشاب، وجثم الغضب على وجهه: اتراني لم اتوصل بخيالي المحدود، الى تفهم الدعوة المغلفة، في كلماته المنتقاة. العذبة. الفواحة؟
وهدر المغني يتراجع:
مستحضرات كارفن ... كارفن ... كار ...
وتنبهت انا، الى عنف الصراع بين كلمتين:
واحدة، تنحرف سالكة مجاري مظلمة. جوفاء. بعيدة ... لتتدلى على جفن الحقيقة متلاشية، لا يسمع لها عزف. ولا يفهم لها معنى. ولا يرى لها اي اثر، وان باهت.
وواحدة، تنطلق من الوجدان، وتسري في اتجاه مستقيم، لتدخل في عين الحقيقة، ولتشعب في كل الاسماع، ولتستوطن في كل احساس.
فلماذا لم يصارحني هذا الشاب:
شفتاك مغريتان. او شفتاك قبيحتان. او شفتاك جافتان. او شفتاك مناديتان. او شفتاك يابستان ... او ... او ... ؟
لماذا لم يستعمل كلمة واحدة مناسبة، تختزن كل الشعور، وكل الاحاسيس، وكل الافكار؟
ثم لماذا صدمته كلمتي المناسبة. الواضحة. الصادقة: فلحق سرب المعجبين المرتدين، وارتميت من جديد في عدمي، تبلعني مسحة ضجر!
مللت الغموض. والضعف. والكذب. والهروب من وجه حقائق بشعة تلاحقني، سأكف عن تجاهلها:
ماتت الاضواء في المكان الذي آوي اليه، فشممت للتو رائحة الحذاء الرابض قرب السرير. وتمدد جسدي الطري، على الفراش الجاف، واطبقت عيني اصد عن اعصابي المنفعلة، تنفساً متلاحقاً، ينساب من الزاوية الاخرى، حيث تنام اختي.
ثم فتحت عيني، اغمر فيهما خيالات الاثاث العتيق الباهت، الرخيص المركز حولي ... ثم طبقتهما، حين استحالت من تنام في الزاوية الاخرى، الى جثة حيوان نتنة اتعبها النهار: في كد لتحصيل اللقمة.
وضحكت فجأة بمرارة:
ستعود هذه الى الارتماء في الزاوية الاخرى، جثة نتنة، بعد ان تنشغل عن كسب اللقمة، وتضيع نهاراً على صندوق الاقتراع، قائلة كلمتها!
وغرقت ايضاً في ضحكة مغتصبة، خنقها بزندي العاري،
في النهار، انا الوعي اليقظ. انا الشخصية الطاغية. انا الرقة. انا العبير. انا الدفء. انا العناد. انا الامل. انا السعي ... وانا امنية كل بناء لمستقبل هادئ، ناجح، اكيد.
اما في الليل، وهذا ما يسيل دموعي، في نوبة ضحكي،
انا جيفة نتنة، مطروحة بمحاذاة جيف! انا حذاء يغرق في بحر روائح احذية. انا مستمع تافه، في جلسة صراخ يتكرر فيها ... ويتكرر ... الجدال الزائف حول الفضيلة. المصروف اليومي. غلاء اللحم والفواكه. الاستدانة من الغرباء، افضل من طلب مساعدة الاقارب. وظيفة البنت في البيت. ثم الجدال عن ضرورة عبادة الله، لان الله يملكنا. وتنساب، عند ذكر الله، دعوات، ونداءات:
الاهنا، اغفر لنا. الاهنا، زد علينا من نعمتك. الاهنا، استر اعراضنا. الاهنا، سامحنا. الاهنا، اسكنا جنانك!
وانجرف انا معهم: الاهنا ... الاهنا ... الاهنا ...

لست طفلة. ولا مغرورة. ولا خبيثة. ولا مستعصية ... لا نفر من كلمة استحسان يغردها شاب في اذني.