وفرانس وغيرهم ، ليس سهلاً ان يتسع الجو لغريب ... لا يحسن اللغة ...
شعرت ان من واجبي الدفاع عن جبران فقاطعت كالمي :
- ولكن ... في نية جبران ان يلعب ورقته في الولايات المتحدة ... وهو يجهز العدة لذلك .. فهناك اصحاب يقدرون مواهبه ويهتمون لأمره .. وهو يحسن الانكليزية كأهلها ولذا يمكنه ان يتحرك بسهولة في الوسط الاميركي .
- عندي فكرة ! قال كالمي ، انت وجبران في استطاعتكما ان تربحا اموالاً طائلة .. وهنا في قلب باريس !.. اذا لبسنا زيّاً شرقياً ... وعمامة ... وجربنا نوعاً من التصوير على شيء من الغرابة والغموض وبمساعدة بعض السيدات واصحاب المخازن من ذوي الخبرة في فن الاعلان ... جو باريس خصب في هذا الزمان لمثل هذه الامور ...
- هل افهم من كلامك انك تريدنا ان نتعاطى الشعوذة ؟! اعوذ بالله اعوذ بالله !! رجوتك يا صديقي الا تعود الى مثل هذه المقترحات « الوجيهة » وبخاصة امام جبران !! والان لننسَ ما كان وهات خبرني كيف ولماذا جئت الى باريس ؟
وكانت لهجتي واضحة واشبه بالامر .
قال كالمي :
- .. في سن العشرين . كنت قد انهيت دروسي في جامعة بوخارست وملت الى الاداب وشغفت بالكتابة حتى انني احرزت بعض النجاح مما ضخّم الامال في رأسي - على نحو ما يحدث في هذه السن ! احببت فتاة حباً جنونياً وهي ايضاً بادلتني الحب ورأينا السعادة
فقط في تحقيق امالنا بالزواج ، لكننا صدمنا بواقع مخيف ، وقيل لنا يجزم ان سعادتنا لا يمكن ان تجنى لاختلاف في دينينا ، فانا يهودي وهي مسيحية وابنة كاهن !.. وتمكنوا آخر الامر من تزويجها - رغماً منها - الى رجل لا تحبه .. فجن جنوني وتوترت اعصابي وطار عقلي وتراءى لي ان كل ما هو خارج عن دائرة الطبيعة مصطنع ... وعددت المصطنعات فالفيتها لا تحصى ورأيت الناس غرقى فيها لفوق رؤوسهم ... يسبحون كما يسبح السمك في البحر !... الويل لمن يبقى عنقه تحت النير فيرزح بثقله ، والويل ايضاً لمن يحاول كسره وفي يد القدر الغاشم المستبد « المسّاس » والسوط !... بعد هذه الازمة التي .. لا تسلني كم عانيت منها وضعت تصميماً لكتابة قصة عاطفية ثورية ، وعرضت الفكرة على احد الناشرين فاجابني مشدوهاً : - « هل في نيتك ان تخرب بيتي ؟ » وليته اكتفى باضعاف عزيزتي لكان الامر انتهى عند هذا الحد ، ولكنه خانني واطلع قلم المراقبة على مرادي ... « كسر مزراب العين » ... وانتشر الخبر .. ووصل الى الحاخام ورجال الدين وهؤلاء لم يتوانوا عن الاتصال بولي العهد الامير فردينان والاميرة ماري ، ونصحني اصدقائي بالهرب الى باريس حيث كانت عمتي قد لجأت مع اولادها في ظروف متشابهة ، ذهب فيها زوجها ضحية الجهل والظلم ..
قاطعت حديث كالمي بنية انهائه هنا ، ولأخفف مسحة الكآبة التي ارتسمت على محياه :
- حسناً فعلت ... « الهربية ثلثين المراجل ! »
اشتدت الزوبعة في الخارج ... ومع الوافدين الى المقهى كان الهواء البارد ينفخ علينا بغضب ... وثمة صبايا - اشبه بطيور البحر - يحمن حولنا طالبات قوتاً !.. واخيراً رجع الدكتور كسبار مهرولاً واخبرنا ان المريض قد فارق . واضاف بعد تفكير : الحقيقة يا اخوان ، عندما يموت الانسان فهو حقاً يموت ! وما الحياة على الارض سوى شيء من العفن !
ثم سألنا اذا كانت الآنسة « مارتين » قد مرت بالمقهى ولما اجابه كالمي بالنفي جلس ، بعصبية يلتهم كأساً من « حساء البصل » السخنة ... ونهض بعد ذلك ، بادي القلق ، وذهب وتركنا انا وكالمي جالسين في الزاوية الدافئة ، وقد خلت من الزبائن بسبب رداءة الطقس ...
بعد سكوت بادرني كالمي :
- فيما نحن خارجون هذا الصباح من عند السيد جبران شاهدنا سيدة - واظنها اميركية - تدخل متهادية ... وكأنها داخلة الى بيتها .. المرأة يا صديقي ، وحدها ، تدفئ جو الرجل الموحش البارد .. الويل لمن لا تدفئ جو بيته امرأة
- « شوفتي فيك بردان ! » قلت له : اطمئن يا صديقي ، بعد الزوبعة سيهدأ الطقس وتعود ايام الصحو ... وايام الحر الثقيل ايضاً !..
والتفتنا معاً الى مدخل المقهى وقد وفد منه ثلاث فتيات ، من طيور البحر !. بينهن الآنسة مارتين . فناداها كالمي واخبرها ان الدكتور سأل عنها وانه كان بادي القلق كثير التشاؤم .. وقد التهم كأساً من حساء وذهب ... قالت :
- وانا ايضاً اشتهي كأس حساء سخنة وايدت رفيقتاها ذات الرغبة ..
