
فصفق كالمي للخادم ونادى بصوت عال :
- جئنا بخمس كاسات ، وصحن
بطاطا مقلية « وزجاجة خمر احمر ...
( وبصوت منخفض ) : الانسان لا
يعيش مرتين على هذه الارض !! ..
وما اسرع ما شغلنا بالاكل
والشرب ، وراح كالمي يمازح الفتيات
وانا اسانده ، ثم ينتقل ثانية الى تحليل
مأساة الحياة فانتقل معه! وقربت الآنسة
مارتين فمها من اذني وسألتني همساً
وبتحفظ : رجوتك .. قول لي بصراحة .
هل الله موجود ام لا ؟؟
كنت انتظر كل الاسئلة الممكنة
ما عدا هذا السؤال ... على الاخص في
هذا الظرف وفي هذا الجو بالذات ..
ومن ثم فتاة باريسية مثل مارتين ... فلم
ادر بماذا اجيبها ... وعادت تسألني وتلح :
- يبدو انك كثير الاطلاع واسع
المعرفة ، فلماذا لا تجيب على سؤالي
وتكفيني مؤونة القلق الذي يتنازعني ؟
هل يكلفك ذلك مشقة كبيرة ؟ قلت لها :
- هل سألت صديقك الدكتور هذا
السؤال . هو ايضاً كثير الاطلاع
واسع المعرفة .
- نعم سألته .. فكان تارة يقول انه
موجود وتارة غير موجود !
وسمع كالمي طرف الحديث وفهم
معناه فعلق وقد رفع انفه وحاجبيه :
- هي المرأة ، على الغالب ، التي
تجعل الرجل يعتقد او لا يعتقد بوجود الله .
- واذا لم يكن في حياته امرأة ؟
- حينئذ يمكنه ان « يشعر » بوجود
الله اذا كان بحاجة الى ذلك ، دون براهين
كلامية جدلية ، متى تعقدت وعمقت
لا تعود تعبّر عن شيء ، لقد حبّر
« كانت » ثمانمئة صفحة و « سبينوزا » لا
اعرف كم مئة صفحة وغيرهما كتبوا
المجلدات ، لكي يبرهنوا عن وجود الله ...
مع ذلك لا يزال الشك يزعج ضمائر
الكثيرين ويشوّش عليهم طمأنينتهم
الهنيئة ... قالت مارتين متنهدة :
- ليتني اتمكن فقط من التأكيد
ان كان موجوداً ام لا ! قلت لها :
- اطمئني ايتها الآنسة وكوني على
ثقة بان الله موجود في كل مكان . وكل
شيء يشهد على وجوده ...
وافقت احدى الاوانس بهزة رأس
متواصلة وقالت لمارتين بلهجة المنتصر :
- السيد على حق !! الم اقل لك انه موجود ؟
لا اظن انه كان يمكن لاحد من
شاهدونا ملتقين على بعضنا في تلك الزاوية
الدافئة - لا اظن انه كان يمكن لاحد ،
ولو كان نبياً ... ان يحزر موضوع
حديثنا ، في تلك الليلة الباردة ... بمقهى
الدوم ... لا اظن !! ..
- يتبع في العدد القادم -
