بسبب سنك ؟
قالت نازك وهي تتلفت حولها بنظرات ملؤها الحقد : كلا ليس بسبب سني ولكن والدي - فليذهبها إلى الجحيم . ان لي والداً عاجزاً واخاً شريراً يقضي تسعة اشهر من كل سنة في السجن واماً بدينة تملأ جثتها مدخل سوق الحميدية .
وضحكت بغير مبالاة .
فقالت سعاد : لا ارى سبباً لعدم موافقة والدك على زواجكما .
- في الواقع ليس ثمة سبب لذلك غير انها انفقت كل ما كان مدخراً لدينا من مال على مرض والدي وشرور اخي . ومنذ مدة قصيرة خرج اخي من السجن وكانت اول كلمة فاه بها ، انه طلب مني ان اطلب من خطيبي دفع ثلاثة الاف ليرة سورية هي معجل المهر .
- وماذا فعلت عندما طلب اليك اخوك ان تفعلي ذلك ؟ وماذا كان جواب خطيبك ؟
- كنت اعرف جوابه سلفاً . فقد اتفق ان اشترى خطيبي جرارة زراعية قبل خروج اخي من السجن ببضعة ايام ، واستنفذ ذلك كل ما كان مدخراً عنده من المال . وقد طلب امهاله ستة اشهر ليتمكن من الدفع ، وما كاد اخي يسمع ذلك حتى ثارت ثائرته وانهال علي ضرباً . لقد حدث ذلك الليلة الماضية فهربت اليوم بينما كان نائماً . كنت اظن اني سأجد منزلاً اعمل فيه كخادمة .
ولم يمض وقت طويل حتى رن جرس الهاتف في منزل سعاد، فتناولت السماعة وسمعت ضابط الدرك يقول : ارجو ان تحتفظي بالفتاة في منزلك حتى صباح غد
- هل حدث تطورات في القرية ؟
- ان اهلها لا يصدقون انها هربت وحدها بل يعتقدون بانها هربت مع خطيبها . لابد ان خطيبها يبحث عنها الآن في دمشق . يا له من مسكين . سيعود الليلة إلى القرية وسنخبره بما حدث . سأتصل بك مرة اخرى صباح غد . والتفتت سعاد إلى نازك وقالت لها :
- ستنامين الليلة عندي وغداً نرى ما نحن فاعلون لاجلك .
في صباح اليوم التالي طرقت باب منزل سعاد امرأة في سن الكهولة يصحبها شاب حسن المظهر . وقد حيت سعاد وقالت انها ام نازك مع خطيب ابنتها . وقد تركتهما سعاد في القاعة وذهبت لاحضار نازك التي ابت ان تقابل امها واظهرت عناداً في ذلك .
قالت نازك بصوت تكاد تخنقه العبرات : ولماذا يجب ان اراها ؟ لقد جاءت لتعود بي إلى القرية فينهالون علي ضرباً . لن اعود معها . ارجوك ان تستبقيني في منزلك واعدك بان اخدمك بعيني . اني استطيع ان اكنس الارض وامسحها وان اغسل اواني الطعام ، كما استطيع ان اغسل الثياب واكويها واقوم باعمال اخرى كثيرة عدا الطهي . سأقوم بكل هذه الاعمال بقية حياتي ولا انتظر على ذلك اجراً او مكافأة . ارجوك ساعديني . لا تسمحي لهم بأخذي إلى القرية .
- ولكن خطيبك هنا ايضاً .. الا تودين رؤيته ؟
وما كادت نازك تسمع بالامر حتى اشرق وجهها وقالت متسرعة . اين هو ؟
ولم تنقض بضع دقائق حتى جاءت
نازك وخطيبها إلى القاعة وهما يبتسمان ابتسامة الطفل السعيد . وطبعت الام قبلة على وجه ابنتها ثم قرصت انفها . وبعد ان شربت فنجاناً من القهوة استأذنت بالعودة مع ابنتها إلى القرية . ولكن نازك رفضت قائلة . افضل البقاء في هذا البيت خادمة على العودة إلى سجني السابق .
وقد اسقط في يدي امها ونظرت إلى سعاد ولسان حالها يقول التمس العون منك .
فقالت الام : لا سلطة لي على ابنتي . وطفقت تبكي وتقول . لو كان الامر بيدي لما اعدتها إلى القرية قبل ان تتزوجه واقسم اني لن اكفه قرشاً واحداً .
ورن جرس الهاتف فقطع على سعاد سكينة فكرها وامتدت يدها إلى السماعة . وكان الداعي ضابط مركز الدرك في قرية نازك الذي اراد ان يعرف ما اذا كانت ام نازك وخطيبها قد وصلا إلى منزل سعاد . وقد طمأنته سعاد إلى وصولها، وسألته عما اذا كان من الحكمة ان تسمح بعودة الفتاة إلى القرية .
فاجابها الضابط : نعم لا خوف من عودتها .
- ولكن نازك ترفض العودة ما دام اخوها في البيت فما العمل ؟
- قولي لها ان افراداً من الشرطة العسكرية وصلوا إلى القرية بعد ذهاب امها وابلغاه بوجوب مثوله فوراً في مقر القيادة العامة للتجنيد ليؤدي خدمة العلم . ان مدة سنتين في الجيش السوري ستهذبه ولاريب وتجعل منه مواطناً صالحاً
قالت سعاد شكراً .
- شكراً يا خانم ، واقفل الضابط الخط .
