هذا الجيش الجرار من اللاجئين ، الذين ما فتئوا يتقاطرون منه الى القطاع الغربي - فنحن نستقبل من هؤلاء البؤساء يومياً ، نحو ٦٠٠ لاجئ ، وقد جاوز عددهم الان الخمسة عشر مليوناً ، ولا يخفى ما يسببه ذلك من ازمات اقتصادية واجتماعية ولعل في هذه الظاهرة اقوى دليل على ان الناس في القطاع الشرقي ..
ماذا اقول ؟ .. ليسوا في نعيم !
ذكرى هتلر ؟
وسألتها : كيف تعيش ذكرى هتلر في نفوس الالمان ؟ فاجابت وقد علت وجهها امارات الكآبة : ان قادة الفكر ومعظم الناس في المانيا سعداء لان عهد هتلر قد انقضى ، الان فقط عادت لهم حريتهم التي فقدوها في عهده ... ولعل الشعوب في العالم هي الان اكثر تفهما لمعنى «الحرية» ...
ماذا عن بلادنا ؟
انتقلنا بعدئذ الى الجزء الثاني من الحديث ما هي انطباعات الدكتورة فون مولر عن بلادنا ؟
وتنهدت الضيفة الكريمة ... وعبرت عن خالص شكرها الى جميع من سهل لها مهمة السفر والاتصال بالناس ، فقد لقيت من صنوف الحفاوة واللطف ما افعم قلبها سروراً واعجاباً .
وتقدر العاطفة البريئة الصادقة التي يحملها العرب للالمان . لمستها بكل وضوح ، لان الكثيرين ممن التقتهم في تجوالها اعرضوا عنها بادئ بدء ، في ظنهم انها انكليزية لكنهم لم يلبثوا ان هشوا لها وبشوا ، ساعة تبينوا انها المانية !
غايتها من الرحلة
وجوابا على سؤال آخر اجابت الدكتورة انها ستحول اختباراتها وملاحظاتها وانطباعاتها عن البلدان العربية التي زارتها الى محاضرات واحاديث اذاعية ومقالات ، لتكشف للشعب الالماني ما امكنها ذلك ، عن بعض نواحي هامة بقيت حتى الآن بعيدة عن مفهومه .
وقد عبرت عن فائق دهشتها لبعض ما رأت فالبطراء ، برأيها من عجائب الدنيا - انها لون وحدها يختلف عن كل اثر تاريخي آخر في العالم - لقد سرت بمناظر بعلبك وتدمر وجبل الارز ، لكن هبوطها بالطائرة في البطراء بعث في جسدها رعشة واختباراً فريداً لا ينسى !
العرب يعيشون بقلوبهم والالمان بعقولهم
وعلى الصعيد الاجتماعي والانساني ابدت الدكتورة فون مولر دهشتها للنشاطات المتعددة التي يضطلع بها الناس هنا تطوعا وانسانية في حين هي بالمانيا على عاتق الحكومات ... وقد شاءت ان تفسر هذه الظاهرة باننا نعيش بوحي من قلوبنا الخيرة ، في حين يعيش الالمان بوحي عقولهم وحسب ..
اللبناني لا يحتاج الى السفر :
لفت نظري في الدكتورة فون مولر بوجه خاص ، تلك الايجابية البناءة ... ترى الحسنات ، وتغض الطرف عن السيئات - قالت لي : ما همها اذا كانت الطرقات قذرة وبعض الاطفال حفاة ، ما دامت طبيعة بلادكم على هذه الفتنة والصفاء ؟ وما دامت طبيعة البشر هنا على هذه الطيبة والكرم ؟
تفهم الان سر حنين اللبنانيين الى بلادهم ، ولا تعجب اذا اقاموا فيه دون رغبة منهم في السفر الى الخارج . فعندهم هنا كل ما تصبو اليه النفس - من مادة وروح !
لكنني افهمتها ناحية من الحياة الاقتصادية التي تدفع باللبناني الى الهجرة .
ولاحظت أخيراً ان اللبناني ، يتمتع بالحرية اكثر من سواه بين الشعوب العربية ، وتمنت ان تبقى له حريته لانها للانسان اعز ما يملك ! كما انها تمنت لجميع العرب الحرية والامان ...
العمل للسلام :
تأثرت كثيراً بما شاهدته في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين من مآسي وويلات وتعتقد ان الحل لهذه المعضلة ليس عن طريق اثارة الاحقاد والضغائن ، بل عن طريق العمل للسلام : السلام في البيت مع الزوج والاولاد ، السلام في المجتمع والسلام في العالم .
وقبيل سفرها على الطائرة ، بعثت الدكتورة فون مولر بتحياتها الحارة الى جميع من عرفت في هذه البلدان ، وشكرها العميق على كل ما قدموه في سبيلها من مساعدات ، آملة لو تتمكن يوماً من الاحتفاء بهم في بلادها .

