• لم يشهد العالم ، منذ انتهاء الحرب الأخيرة ، نشاطاً دبلوماسياً ، كالنشاط الذي يبذله اليوم رجال السياسة في الشرق والغرب . فقد كان محصول الدبلوماسية العالمية خلال شهر أيار وافراً كبيراً ، إلى حد أنه شغل الحكومات ، واستأثر بعنايتها واهتمامها في الداخل والخارج . ففي الأردن أخمد الملك حسين نار مؤامرة شيوعية ، كادت تذهب بالعرش ، وتجعل من هذه المملكة الصغيرة ساحة لحرب أهلية وخيمة العواقب على الشرق الأوسط بأسره . ولكن حكمة الملك الشاب قضت على آمال المتآمرين .
• وقام الملك سعود بزيارة العراق رسمياً ، واجتمع إلى الملك فيصل وأركان الحكومة العراقية ، وتباحث معهم في جل القضايا التي تهم العرب بوجه عام ، والعراق والسعودية بوجه خاص . وكان البيان السعودي العراقي المشترك دليلاً قاطعاً على أهمية تعاون المملكتين في جمع كلمة العرب وتوحيد صفوفهم ، في الوقت الذي تحتاج فيه الدول العربية ، إلى نبذ الخلافات ، وتنقية الأجواء ، للعمل على حل المشاكل التي تعترض طريقها إلى بناء اقتصادها ودفاعها وتجارتها على أسس سليمة ثابتة .
• وأعلنت مصر في غضون ذلك ، أنها رفعت الحظر المفروض على عبور السفن الإنجليزية والفرنسية في قناة السويس ،
وكذلك القيود التي تتناول منع التبادل التجاري ، والتموين وما إلى ذلك ، بين مصر والدول التي انقطعت عن التعامل معها أثناء مشكلة السويس .
• وفي سوريا ، أعلن وزير الخارجية السيد صلاح البيطار ، أن مسألة إعادة العلاقات الدبلوماسية بين سوريا وبريطانيا ، أصبحت ضرورية لا بد منها ، بعد انقشاع الغيوم التي سادت جو العلاقات بين لندن وباريس ، وبعض العواصم العربية .
• وإذا طرحنا جانباً قضية الشكوى الفرنسية إلى مجلس الأمن الدولي ، بشأن السويس ، وشكوى سوريا إلى المجلس على إسرائيل ، لبنانياً جسراً متحركاً في المنطقة المجردة من السلاح ، رأينا أن أحداث الشرق العربي تميل إلى الاستقرار والمصالحات الدبلوماسية الشريفة ، عن طريق وضع النقاط على الحروف ، أو بعبارة عامية « لا يموت الذئب ، ولا يفنى الغنم » . وكل ذلك في نظر المراقبين ، يؤيد وجهات نظر السعودية والعراق والاردن ولبنان في ضرورة التعاون العربي ، على أساس المصلحة العامة . فلبنان ، بشخص فخامة رئيسه ، وأشخاص الحكومة القائمة ، أبرز الأحداث العربية القائمة ، بما يجب أن تكون ، وعلى النطاق الذي يسهل معالجتها بروح الواقع ويكفل الفوائد المتوخاة من التعاون والتآزر في
الوصول إلى حلول شريفة معقولة .
فمبدأ أيزنهاور الذي قبله لبنان ، وتجند للدعاية ضده ، معارضون في الداخل والخارج ، لم يلبث أن أقرت بالنظرية اللبنانية كل الدول التي جعلت منظارها إلى الحقائق ، العقل والمصلحة وبناء الاتصالات الإنسانية للحرية .
• وهكذا ، كان الرئيس شمعون ، والوزير شارل مالك والحكومة اللبنانية ، وعلى رأسها دولة الرئيس الصلح . يتوخون المصلحة اللبنانية قبل كل شيء ، ومصلحة العرب في الدرجة الأولى .
أما لماذا لم يقبل زيد من المعارضين ، ولم يرض عمرو من المجاورين . فأمر يخص زيداً المعارض ، وعمراً الجار المجاور .
هذا ، في الشرق العربي ؛ أما في المحيط الغربي ، فقد كانت مسألة نزع السلاح الجاري بحثها في لندن ، من أهم القضايا الدولية الكبرى ، التي تتجاذبها أميركا وحلفاؤها من جهة ، والاتحاد السوفياتي والمشايعون له ، من جهة ثانية .
ولا شك أن حل مشكلة التسابق إلى التسلح بين كتلتي الغرب والشرق ، منوط بموقف الاتحاد السوفياتي ، بعد أن أعلنت كل من أميركا وبريطانيا أنها لن تتوقفا عن التجارب الذرية ، ما لم يتم اتفاق حاسم ، على مشروع صريح يكفل للعالم الحر أمنه وسلامه .

