لقيتها بالصدفة ..وتلك الصدفة نفسها قادتها الى لبنان ؛فهي ليست من بلادي ، وكنت اتمناها لوتكون ، لأني أتمنى كل جديد خيّر لبلادي .لكنها امرأة من الغرب ، لها منالعمر اثنان وثمانون عاماً ، رسمت بوضوحفوق وجهها الهادىء ، الذي تتساوىفيه التقاطيع بالذبول والشحوب ، سوىعينين براقتين ، نفاذتين .وليس غريباً ان تلقى انساناً له منالعمر كل هذه السنين ؛ وليس عجيباًكذلك ان تبلغ هذه المرحلة امرأة عازبة...انما الغرابة كلها في قصة هذه العجوز... وحدثتني بها فقالت انها قبل عامتماماً ، اكتشفت ان لديها فراغاً منالوقت ؛ فراغاً أحسته موجعاً ، لا يملأهالاولاد والاحفاد ؛ ففكرت بان تعبئهبشيء عزيز ، يعيضها عن ذلك ، ويتسعلتدفن فيه عاطفتها ؛ ومدت يدها الىاقرب الاشياء منها ، الى الكتاب ...وهكذا عادت طالبة من جديد ، تسيرمع الطلاب الى الصف في الصباح ، وتجلسالليالي الطويلة امام المصباح ، لتعدّدروسها لليوم التالي : فمن العيب انتسكت في الصف اذا احتدم النقاش ، وانتقف مكتوفة اليدين اذا وجه اليها سؤال .وفتحت عينيها ، بعد ذلك ، لتبحثعن الفراغ ، فلم تجد له أثراً...كانت تتحدث عن ذلك كله بشغفولذة ، وانتقلت الى الحديث عن فلسفتهافي الحياة : ان الحياة تدعونا لنعيشهابكل قوانا ، ونفنى فيها قبل ان تفنينا ؛الحياة التي تطلب من الانسان حركة لاتتوقف ، ونشاطاً لا يكل ، وتجدداًمتواصلاً في الحس والفكر والوجود ،والا يعطلها صدأ الايام .هذه الحياة التي جئناها وسوفنتركها مجبرين ، لماذا لا نعمل شيئاًواحداً فيها على الاقل ، فنقرر بانفسنا مهمةالفترة الزمنية القصيرة ، بين المهد واللحد ؟أصغيت الى الثمانين عاماً ، التي تبحثعن المستقبل ، والاماني تصطرع فيصدرها ، ودوى في اذني صوت قديم ،ما ازال كلما اذكره ارتعد ، واحسان شيئاً في صدري يذوب أسى ، وانروحي تتلوى بالم... انه صوت الاجيالالسلبية التي رافقت تاريخنا : القدر ،الذل ، الغيب...وسددت اذني لاصرخ بأعلى صوتي :لقد شاخ القدر . هرم من زمان ، انزلوهعن عرشه ، وتعالوا نتوّج الحياة !