ولماذا كل هذه الرغبة في الكتابة ؟
اجاب : «لعلها غريزة في يا يوسف . اذكر اني عندما بدأت «اخطرش» كما يفعل الاولاد - حتى في ذلك العهد المبكر كنت احلم في ان ابيع رسومي واربح منها . وكذلك كنت عندما اطالع قصة طريفة يحفزني دافع قوي لكتابة القصص ، وانا اليوم اؤمل بان كتاباتي ستغل علي يوماً ... وثق ان النشوة الحقيقية لا تهزني الا عندما ارسم او اكتب ..
وعلى سبيل المزاح اطلعت جبران على نصيحة كالي بان نتزيا بالزي الشرقي وننصرف الى رسم الصور الغريبة ... فاعترض جبران بشدة : - كلا ابداً ! هذا هراء ... الشعوذة ليست من شأننا يا يوسف ...
في تلك الصبيحة، لم تحضر «الموديل» على عادتها، وكان جبران مدعواً الى الغداء فتركته وذهبت الى مطعم «مدام بوده» .
وفي المساء بعد الانتهاء من الشغل في المعهد الفني توجهت الى مقهى «الدوم» لقضاء السهرة فاذا بالدكتور كسبار يلاقيني مهدداً برفع اليد :
- تعال مسيو جوزيف اجلس بقربي. انا في انتظارك ... بيننا حساب ... لماذا قلت لمارتين ان الله موجود ؟..
- ظننت ان في الامر ذنباً حقيقياً !! واي جريمة في ان تعتقد الفتاة بوجود الله . اليس ذلك خيراً لها ؟ وهل ثمة شيء الطف من سماع حسناء باريسية تستفهم عن الالهيات ؟.. انت مخطىء يا صديقي واذا كان لا يلذ لك سماع ذلك ، فالزم في تحدثك عالم المكروبات ! - انه حقل تخصصك ولا ريب انه ممتع !!
- اجابني بلهجة اقل حماسة من قبل: - «المصيبة هي هؤلاء الذين يستغلون فكرة الاعتقاد بالله ...» وارتفعت من صوب الباب جلبة عالية قطعت علينا الحديث، واقبل نحونا فوج من الصحاب: سوسان، ليا، كالي، وبعض المعارف وبينهم رجل غريب، وجاء الخادم مهرولاً، وقرّب طاولة ثانية من طاولتنا فاتسعت الحلقة وبدأ التعارف. ولما سمع الرجل الغريب اسمي وانتبه الى ليا تكرر كلام جبران وحركته : - «من هناك .. من لبنان .. قرب اورشليم» اظهر بهجة وانشراحاً وقال انه سعيد جداً بلقاء شرقي لبناني .. وانه هو من «براغ» عاصمة هنغاريا يهتم بدرس اللغات الشرقية ولا سيما السريانية. وسألني اذا كنت اعرف هذه اللغة فاجبته نعم، بإيماءة راس خفيفة وبدون تحمس الامر، ذلك ان معرفتي السريانية جد محدودة، تعلمتها وانا ولد لكي اخدم القداس للمرحوم جدي الخوري مخايل، وكنت اعيد العبارات كالببغاء دون ان افهم معنى كلمة واحدة !.
ولكن الرجل الغريب اظهر اهتماماً وطلب اليّ ان اتلفظ بعبارة سريانية لكي يسمع رنة وقعها، وانحرف في جلسته نحوي في انتباه واصغاء وجاراه الرفاق تأدباً، حتى سوسان وليا، كلهم اصغوا الي ما سيخرج من فمي ... ولما وجدت نفسي محط الانظار والاسماع قلت دون ان اتلعثم: - «من فولوطين دشمايو عيره إشتادار» فلم تتمالك ليا من اطلاق ضحكتها الرنانة الساخرة وقال كالي : هذا يشبه العبراني ! اما العالم «البوهيمي» فكادت الدموع تطفر من عينيه لشدة التأثر ورجاني ان
اعيد العبارة كلمة كلمة وراح يرددها من بعدي... ثم سألني عبارة ثانية فلبيت طلبه على الفور هذه المرة وبصوت أعلى: «عل عطر» وبسمه طوبه دحلتخ موريو تدا بارين وبزاديقوتو الآمين.»
بهت الجميع وعلت وجوههم الدهشة في حين انصرف العالم المستشرق الى الشرح والايضاح بان هنالك تقليداً عند العرب واليهود وآباء الكنيسة مفاده ان اللغة السريانية هي لغة ابينا آدم - اول انسان - وان بعض العلماء يعتقدون ان اول نسخة من التوراة كانت بالسريانية ... وبان المسيح وتلاميذه تكلموا هذه اللغة .. واخيراً قال: بانه قد تناهى الى سمعه ان الموارنة في لبنان لا يزالون يستخدمون السريانية في طقوسهم الدينية .. وانه الآن في طريقه الى الشرق للوقوف على عمليات التنقيب الجارية هناك ، وسألني اذا كان بامكاني اعطاؤه رسائل توصية فوعدت بتسليمه رسالة الى صديقي مطران بيروت وثانية الى عمي بطريرك الموارنة ...
عند ذاك اطلت الآنسة مارتين من الباب فنهض الدكتور كسبار للتو وهو يقول معلقاً على حديثنا: - «آ... الان فهمت لماذا انت «تشد على مشدّه» وتعظ الفتيات بوجوده ... بينكم قرابة !..» ثم ودع وانصرف ...

