بانتهاء شهر تموز تعجّق طريق بعلبك بمئات السيارات الرائحة والغادية ، وتصحو مدينة الشمس ، بعد طول هجوع ، فتبهر عينيها مئات الاضواء الكشافة مسلطة على حرمة هياكلها المقدسة .
ويستنتج الناس ان قد حانت مواعيد المهرجانات الدولية ، وان الاستعدادات التي باشرت بها اللجنة الحسينية منذ تسعة اشهر هي الان قيد التنفيذ ... وتبدأ الصحف تبارك او تلعن ، تثني او تقدح ، وسبحان من خلق العباد اشكالاً والواناً !..
اما نحن فمن المباركين الذين يفهمون المهرجانات بمعناها الواسع البعيد ، ويرون فيها انفتاحاً على العالم ، واستكمالاً لرسالة لبنان الفكرية ، في تطلعه الى القيم الفنية الحقة على الصعيد الكلاسيكي العالي ، وفي اغترافه من الينبوع ، في طريقه صُعُداً ، مهما بلغ منه الكدّ والنصب .
نحن نرى المهرجانات خطوة ايجابية خيرة لانها السبيل الى جمع فئة معينة من نسائنا ورجالنا في عمل تعاوني منظّم . وهذه الفئة بالذات ، فئة المترفين المدللين - واقولها بتحفّظ - لم يسبق لها في تاريخ لبنان ، ان سعت وأرقت في سبيل المصلحة العامة ...
نحن نرافق المهرجانات منذ البدء بعين مخلصة واعية ونرى فيها حافزاً لخلق الافضل والاصلح ، ومحرّكاً للمواهب الكامنة فينا ... فلولا حب الاقتداء والتحدي اللذان هزّا اعصاب مواطنينا اصحاب الامكانيات الفنية ، لما كان لنا شيء مما سنشاهده هذا الصيف من روائع فولكلورية - رقصاً وغناء وتمثيلاً - هي نتاج لبناني صرف ... ان لم يكن للمهرجانات من فضيلة غير هذه لكفى ...
يأخذون على المهرجانات انها عبء تقبل على خزانة الدولة ، وانها ليست في متناول الجميع ... فمتى واين لم تكن المسارح لوناً من الترف ؟؟ متى واين شرّعت ابوابها لغير الخاصة ؟ في باريس ولندن ونيويورك حيث تعمل مئات المسارح دون انقطاع ، باسعار قلّ ان تتدنّى عن اسعارنا خلال فترة قصيرة في السنة لا تتعدى الخمسة اسابيع ؟ اؤكد لكم انه لو كان لنا ان نشاهد فرقة « اولد فك » في لندن ، او فرقة ثنائي « رينو - بارو » في باريس ، او فرقة « سانتا سيسيليا » في روما ، لكلفنا ذلك اضعاف ما يكلفنا هنا ، ولحرمنا لبنان فرصة احتكاكه المباشر بهؤلاء الفنانين الدوليين ، والتطلع بطموح وشحذ القوى المبدعة لبلوغ ذراهم العاليات .. ومن يعلم متى يأتي يوم ، تخرج فيه فرقنا الفولكلورية الى العالم مصدّرة الفن الشعبي الاصيل ؟!
تحية اجلال الى هياكل بعلبك المشعّة بالانوار ..
تحية اكبار وترحيب الى ضيوف لبنان - اعضاء الفرق الفنية الدولية .
وتحية تقدير وشكر الى لجنة المهرجانات ..


