
تحيط به الرعية النقية
ليقدم لي الزاد الأخير (١)
ولكن أبواب السماء
تنشق، وجيش جميع القديسين، يحملون المشاعل في أيديهم، يتقدمون لملاقاتي، يحيطين بالحمل الرهيب !
لماذا ؟
لماذا هذه المرأة ؟ لماذا المرأة فجأة على هذه السفينة ؟
وما عساها جاءت تفعل معنا ؟ إكنا بحاجة إليها ؟ أنتَ وحدك
أنت وحدكَ في فجأة عند انبثاق الحياة.
حركة خفيفة .. تدخل إيزيه كالشبح بثوبها الأبيض المتراهي وتطوف البيت في الظلام الحالك كالضبابية المتحركة، ثم تظهر على الشرفة بيضاء ناصعة، وشعرها المرسل على كتفها متلألئ في نور القمر ..
- هكذا رأيتكِ من قبل على السفينة ..
- مازا ! أنا إيزيه ! ها أنذا ! ..
- أحلمُ هذا ؟
- لقد انتهت الأحلام ؛ وها نحن وجهاً لوجه أمام الحقيقة .. هذه هي المرأة .. لقد جاءت ترد الجواب عن سؤال الرجل ... لقد تركت العالم ومن فيه لتموت مع رفيق روحها .. المجدلية تكفر عن خطاياها بمحبتها العظيمة، إذ ما كان مستحيلاً على الحب سيصبح ممكنا بالتضحية، وستجد « إيزيه » ذلك الشيء الضائع الذي كانت تفتش عنه في نفس الرجل .. إنها تؤمن الآن بخلاصها لأنها ستقدم هذا الجسد الجميل بخوراً للروح المنتصر .. ويضع مازا يده على رأس
(١) التناول الأخير للقربان المقدس قبل الوفاة Le viatique
إيزيه مكملاً تسبيحه.
- وإذا انقشعت الحجب فأنا ذاتي اللهبة الفعالة المنطلقة، الذكرُ العظيم في مجد الله،
الرجل في بهاء آب، الروح المنتصر في تجلي الظهر !
« قسمة الظهر » مسرحية شعرية كتبها كلودال في سنة ١٩٠٥ ولكنها لم تظهر على المسرح إلا في سنة ١٩٤٩ وذلك بجهود « جان لوي بارو » الجبارة وبعد إلحاح عنيف لاقناع المؤلف بإخراجها على مسرح « الماريني » وسبب ذلك معروف وهو أن حوادث الرواية منتزعة من حياة المؤلف نفسه ؛ فهو « مازا » وقد عرف « إيزيه » مرة في حياته، وترك هذا الحب في نفسه جراحاً لم تندمل على مر السنين، وكان في أيام شيخوخته لا يذكر هذه المرحلة العنيفة من حياته إلا وترتعد فرائصه ويهتز في أعماق كيانه. وقد قال مرة « لبارو » : « إنها صرخة من الأعماق نزفتها مع دمي، إذا ما سمعها الملأ شعرت كأني عار أمام خلق الله ». ولكنه قبل نهائياً بإخراجها بعد أن استشار أبا دومينيكياً كان يحبه ويعتمد على رأيه، إذ قال له هذا الأخير أن اهتداء الكثيرين كان بتأثير هذه المسرحية ...
ويقول بارو أنه لما انتخب « أدفيج فويّار » ( Edwige Feuillére ) لتقوم بدور إيزيه قدمها لكلودال فبهت المؤلف للشبه الكبير بينها وبين الأصل. وكان يحضر التمرين وعيناه تغرورقان بالدموع عند بعض المشاهد المؤثرة. ولا عجب فإن « أدفيج فويّار » شخصية فذة في عالم المسرح الفرنسي تسند إليها أكبر الأدوار، ويكفي أن نذكر أنها قامت
مؤخراً بدور « فادر » ( Phèdre ) بطلة راسين الخالدة. وعظمتها تتحدى الوصف، فقد جمعت إلى جمال الجسد النضر حيوية فعالة ومقدرة فنية للتعبير عن العواطف المتضاربة، فهي القوية المسيطرة تارة والضعيفة الرقيقة تارة أخرى، اللينة المتفانية والثائرة العنيفة. وهي في دور إيزيه مشعل ملتهب ينير ويحرق معاً ؛ تسيطر على المسرح والممثلين، وتسحر المستمعين الذين يطلبونها عشرات المرات لتظهر أمامهم بعد انتهاء التمثيل ..
وقام « بارو » نفسه بدور مازا فجاء بقامته القصيرة ونظراته الحادة ورأسه العبقري صورة طبق الأصل لشخصية « مازا » ... وهو الذي تعاون مع كلودال منذ سنة ١٩٤٢ على إخراج مسرحياته « من الحذاء الحريري » ( Le Soulier de Satin ) إلى « كريستوف كولومب » إلى « قسمة الظهر » .. ومن ير هذه المسرحية بشكلها الحالي على « مسرح الأمم » (Théatre de Nations) يفقه عظمة « بارو » المسرحية ورسالته للمسرح الكامل التي تكلم عنها في مقالاته في مجلة الماريني. وأسند دور دي سيز للممثل المعروف « جان ديساي » (Jean De Sailly) ودور أملريك لجاك داكين J. Dacqmine فحاز كل منها إعجاب الجمهور وتقدير الناقدين ..
أما زينة المسرح فقد كانت مدهشة ؛ وشكل السفينة البيضاء المنطلقة في عباب اليم تحت وهج الشمس الاستوائية منتهى البراعة الفنية تعبر عن الصورة في ذهن المؤلف والنقطة المركزية التي رمى فيها سفينته ..
« كلودال » صرح شاهق في تراث الأدب الفرنسي الحديث، واسع الأرجاء