الاحاديث عن الشعر لا تشبع المعدة»
ولما احتوتنا الدار دفعت له بكاسة اللبن وجمع المربى وعلبة البسكوت.. وعملت فنجاني قهوة، وجلسنا بعد الاكل على الديوان: جبران يصغي مسنداً رأسه الى كفه، وانا اقرأ ترجمة النشيد الخامس حيث يتكلم دانتي عن الحب.
ابتدأت اقرأ الترجمة واردد بعض العبارات بالنص الطلياني، في زعمي على سبيل زيادة الايضاح!، ثم ارفع صوتي في المواقف العاطفية المؤثرة حتى جئت على الشطر الاخير الذي يقول: «ووقعت كما يقع جسد ميت!» - لفظت العبارة بفخامة والتفت الى جبران لاتبين تأثير قراءتي عليه فاذا هو محني الرأس «مدبل» العينين.. فلم اتمالك من الضحك بصوت عال بما اجفله في وضعه المسترخي شبه النائم وسألني بلهفة: لماذا اضحك! قلت: انا بعازة الى الضحك! فاردف على الفور: وانا بعازة الى النوم... ولم تعد تحرز «التسربية» سانام على هذا الديوان!»، وخلع حذاءه ونزع المعطف وتمدد..
كنا عائشين في باريس عيشة بسيطة «كل مساء تعـود نفسي الى باريس وترفرف بين منازلها... وفي كل صباح استيقظ مفكراً بتلك الايام التي صرفناها بين هياكل الفن ومروج الاحلام»
(جبران)
ونقلت الآنسة اولغا البيانو الى محلي واتفقنا على ان اتركه لها حراً بعد الظهر وسلمتها المفتاح... فاطمأنت وانست في جو الرسوم الفنية والكتب والزهور.. وانصرفَت الى التمرّن على العزف برغبة.. وكانت من حين الى حين، تدعونا انا وجبران لسماع ما يروق لنا من ألحان بيتوفن وتشيكوفسكي. وكان «السموفار»
الروسي على الدوام عامراً بالماء الحار للشاي، فكنا نحضر معنا بعض الكعك والحلوى ونجلس نحتسي الشاي ونتحدث في شتى الموضوعات الموسيقية والفنية، ولا شيء يعكر صفو صداقتنا.. وأذكر في تلك الآونة، ان الانسة اولغا اهدت كلاً منا قبعة روسية من المخمل الاسود المطرز بالقصب.. كنا نتغاوى في لبسها عندما نسرح في نزهاتنا الليلية..

