وصيف آخر ....
أدبدب فيه، في الصباح إلى مكتبي. وأعود بعد الظهر، إلى البيت، على وجهي احمرار، وكمد، وأشباح ابتسامة بلون الأسفلت. وفي قدميّ غبار، وتعب، وعاصفة أمانيّ ... فأغسل كومة الصحون التي نستعملها لكل وجبة. وأكنس البلاط - أكنس فقط ما يظهر من بلاط الغرفة - تاركة زواياها مصايف هنيئة للعنكبوت والصراصير. وأغطس في مياه تنساب من برميل ضخم، تغلي فيه المياه على السطوح. ثم أمضغ في المطبخ، وبسرعة، شريحة اللحم ... لألحق حصتي مما تبقى في الدكاكين من جبن. وخبز. ولبنه. وبطيخ أو عنب للعشاء.
صمتُ ...
ماذا، ماذا، ماذا صمتُ؟
وأنا قابعة خلف منضدة في مكتبي، أتعطش إلى سماع وقع أية أقدام، تخترق هذا الممر الرخامي المظلم. وأنا أحن إلى غيمة دخان، أضيع فيها، تنفثها سيجارة في فم رجل نهم. وأنا أشتهي نظرة اهتمام، وإن عابرة، تمزق سكون هذه الوحدة، التي تخنقني. وأنا أحلم ... أحلم ... أحلم ... أحلم، فكرتها .. وهمستها، لأمنحها ثقلاً يربط جو هذا اليوم:
ابتعد عن هذه الوجوه. ابتعد عن هذه الأمكنة. ابتعد عن هذه الأحداث
المتكررة ... المكررة ...
وأختفي في بيت أنيق أنا ربّته، لا سجينته. أنظفه - أنظف حتى زوايا غرفه - وأغرقه بزهريات الورد. والتوليب. والبنفسج. والغاردينيا ... وأسدل على نوافذه ستائر زاهية: حمراء، صفراء، خضراء تنسجم مع لون مقاعد الجلد الفضية البسيطة. وأنطاير حافية القدمين، بين السرير أعيد إليه وقار النهار، وبين المطبخ، أحقق فيه رغبات ملاك يرعاني.
لن أولع ضجيجاً في هذا العالم السحري، ففي رأسي بقايا خصام أطفال. وعناد غلمان. وعويل مراهقين، وتهديد آباء ... سأنزع هذه البقايا، وسأطلق في كل ركن صرخة محبة ... محبة عميقة ... عميقة، تتيح لكل إنسان أن يبدل الوجوه. ويبدل الأمكنة. ويبدل الأحداث ... ويبدل ...
سأنام مرتاحة، وسأشيع نوماً. وسأدفن رأسي في صدر شاسع يعطف. ويجن. ويرعى. وسأغمض أجفاني أقتات من لمسة يد تجوب منعطفات جبهتي، وتناغي شعري ... وسأحلق مع صاحب اليد التي تمنح الحرية، في عالم سحري ... سأحلق إلى النجوم ... إلى القمر ... إلى الغيوم ... إلى الظلمة ... إلى الأغصان ... إلى البحار، والأنهار ... إلى الضوء الشاحب، إلى ركن يتغرغر
بالهدوء ... إلى صدر شاسع يعطف ...
و ...
لا،
لن أترك هذا البيت في الصباح إلى مكتبي،
فجسدي لم يخلق لينزف عرقاً!
خُلقت أنا، ليكافح الرجال من أجلي! خُلقت لخلق الجمال. خُلقت للمرأة. للعطور. للرياحين. للأنغام. للسكون. للسفر إلى النجوم!
معذرة،
فأنا أحلم!
أحلم، والرجل الذي أجبته يرتقي، كالمتسول القذر، خلف جدران على بعد خطوات مني، تدوي على وجهه جراثيم الهجرات، لتنخر وجوده الزائد في خاطري، وتبيده إلى الأبد.
عجز السخيف عن تحقيق حلم ساذج، يانع، عادي.
وظن أنه أسطورة عصره، حين قضى في صيف مضى، على حريقة أيامي الكبرى، وعندما بدأت أدرك أن ساعة «المعرض» تشعل ساعاتي: ربع ساعة ... وربع ساعة ... وربع ساعة ... وربع ساعة ... وساعة ... وساعة ...،
غمغمت في سمعه امتناناً:
أريدك سلاحاً قاطعاً، أقضي به على وحدتي. وفراغ حياتي!
معذرة، ومعذرة،


