انستازيا :
انستازيا .. هي من حيّ الاكابر عندنا ... ارستقراطيتها العتيقة علة كيانها المتعجرف ! لا يعرف عمرها ولن يعرف ... ما دامت تتحدى مداهماته عند المزيّن الحائر والخياط المسيّر والمدلك الجبار .
وجهها .. ربيب الصقل المنتظم ! لها فيه عينان تحفّ بها الالوان والظلال ويجذب عليها قوسان دعمها خط القلم السيّال . اما قوامها .. فيضيع ويترعرع بين طيات ثوبها المتشامخ !
انستازيا .. دمية تراقصها نعمة لا كالنعم . هي طاووس .. الحفلات ! اذ ترف فيها وترفل فتواكبها سحابة من العطر المعتق من دنان باريس .. ولهذا العطر صوت يناديك : قف ! حدّق ! انا هنا .. قريبة منك ... واعلى منك !!
في نقلة الحجلة تمشي انستازيا .. في حذائين ندين تخاف عليها من قسوة البلاط . فتتدافع اليها قامات منحنية لتطبع تحياتها على يدها المرصعة .. الذابلة قبلة .. قبلة ! وانستازيا تطوي نظرها عن الاول لتستقبل الثاني في ابتسامة متدربة سائمة !
حرصها على كلاسيكية الترف المميز شديد فكلامها وضحكتها ومشيّتها وذوقها هي كلام .. وضحكة ومشية وذوق انستازيات حي الاكابر عندنا .
ووقتها ؟ انها لا توليه اهتمامها ! فهو خادم دلالها الخامل . انستازيا تستقبل الفجر ببرمة قالس ويظل صبحها غفوة معوضة وظهرها استعداداً متباطئاً للنشاط اليومي ...
كيف واين يكون هذا النشاط ؟
انستازيات حي الاكابر يدرين .. ولكنني سمعت من يقول انها بالامس رقصت في النادي الذهبي وغفت آخر الليل على
طاولة خضراء كانت تعبث عليها انستازيا بحظها الذي لا يقسو !
هي لا تبالي أخسرت ام ربحت ... فلقد حرمها القدر .. رعى الله القدر .. لذة في الكسب والمأ في الخسارة ..
ما اتعس حرمانها لو تعرف !
كل ما عندها ثمين رائع في عين الجميع لا في عينها ... فجميلها يملها !
هي تعطي .. وعطاؤها تقليد يملأ يدها بعيداً عن قلبها الغائر ! ...
من سمعها ... تتكلم ؟
كراتها تعابير مولدة مفككة فيها من غير العربية حظ عجيب ...
انستازيا يدغدغها عزّ مطمئن سخرت له جيوب المال ..
ولكن ، اين هي اين ؟ انها في دوامة السأم تتقلب في نعمة ... فاترة !!
هي .. مع صديقتها تضمها جدران غرفتها المقفلة .
قالت صديقتها :
ما بك اليوم ؟ .. اطمئني ... لست اول من ثار .. لست اول من تلاطمت في نفسه موجات نقمة على الكل .. على الجميع ، لسبب خاص ... اجل .. لسبب خاص فات الجميع !
اما يزال الفراغ النهم يتململ في نفسك ، فيلتهم بهجتك ويعصف بمناك ويحنط الاشياء حولك ؟
اين راح اطار ايامك الحلو ؟ اين زجاجة العطر من دنان ديور التي تفوح ولا .. تبوح ؟ اين فسطان التافتا الحشخاش ؟ اين السوار الذهبي الذي يكمش زندك كمشاً ؟ اين عقد اللؤلؤ الذي تبسم لك كل حبة فيه حتى الصغيرة الصغيرة .. اين مطل نافذتك الذي يبسط لعينيك تصاوير .. الجمال ؟ اين غيبت حلواتك كلها يا غبية ؟ اين ؟ اضاعت في فراغك الاكبر فتدحرجت ايامك بلا اطار ؟
غني ! رفرفي .. نحن الصبايا زهرات نطوّق البسمة .. عندنا شرفات الامل لو تعلمين .. عندنا الحلاوة وبركة الجمال الغضّ ! ..
في احاديثك .. الهامسة ... كنت المس ابداً القلب الخفاق والعين الفضولية . وكنتُ ، الا تذكرين ، احذرك الفضول ..

