طرق كثيرة مجدية أهمها ثلاث : التربية المدنية في المنزل والمدرسة، تطبيق الأنظمة والقوانين بدون مراعاة ولا محاباة أحد إلا بالحق، محاربة الفراغ.
فالأولى، أي التربية، تكوّن عنصر الأساس في إيقاف تيار هذا التدهور، ولكنها بطيئة المفعول، إذ تستند إلى عنصر الترغيب والإقناع والمنطق، ولا يظهر تأثيرها إلا بعد جيل مدرسي، هذا مع الافتراض أن المنزل والمدرسة متوفر فيها جميع مقومات التربية الصحيحة من أم وأب ومعلم صالحين، ولكن، ويا للأسف، لا أرى في يومنا هذا، أن المحيطين، المنزلي والمدرسي، كفيلان برفع المستوى الأخلاقي، بحيث يبلغ المنزلة التي يريدها ويتمناها المجتمع الراقي؛ ولكي تؤدي المدرسة الخدمة النبيلة فتربي الناشئة تربية أخلاقية صالحة ينبغي إزالة صفة التجارة منها وتحويلها إلى مناشئ للرجال لا تركها دكاكين للمستثمرين محشو الرؤوس بعلوم ناقصة وتترك فراغاً أخلاقياً يكون شؤماً على مستقبلنا.
وأما الثانية أي تطبيق الأنظمة والقوانين بدون تلكؤ أو محاباة، فهي في نظري أسرع الطرق وأجمعها، وإن كانت تستند إلى عنصر الخوف والقوة والعقاب، ولكن هذا العنصر ضروري لردع المعتدين والمستهترين بالنظام والقيم الإنسانية أي مسببي هذا التدهور؛ وهذا العمل من وظائف الدولة، فإذا ما حُزمت هذه فيه وأشعرت كل الناس بضرورة احترام القانون احتراماً فعلياً وضربت بأيد من حديد على كل مخالف، دون تلفت إلى الدرجة التي ينتمي إليها،
ومنعت فئات الدرجات العالية من التدخل لإفساد مفعول الأنظمة، بحيث يحس الضعيف والفقير بأنها يبلغان حقها بدون وساطة وسيط وأنهما متساويان فعلاً أمام القضاء، بالقوى والغني، سيطرت الثقة على النفوس وقوي ميل الناس إلى الاقتداء الصالح وحب الفضيلة.
وأما الثالثة أي محاربة الفراغ، فتقوم على تأمين العمل لكافة القادرين عليه وتوفير أسباب العيش والأمن للجميع وهذا أيضاً، اليوم، تقع تبعته
على الدولة ويجب معالجته بمشاركة الأثرياء، كما هي الحال في سائر البلاد الراقية.
وعندما يتهيأ كل ذلك ترى عجلة التدهور الأخلاقي تتوقف ثم تتحطم عند صخرة المبادئ التي ذكرت، وتشاهد مجتمعنا كأحسن وأرقى ما تكون المجتمعات، لأنه نزيل تربة، مهما كثرت أشواكها ونمت عشبتها الغريبة، فستظل رياحينها الأريجة ونباتاتها الخيرة إذا ما تعهدتها أيد أمينة، هي العليا وهي الغالبة.

