الليلة قمراء .. وجارنا جون يحملني على ذراعيه طفلة عمرها شهر واحد .. ويصعد التلة الخضراء في طريقه الى القصر الصامت .
ويدخل بي على عمي مايرا .. لم تكن عمي بالمعنى الحرفي .. بل كنا كلتانا من سلالة آل مونتاد .. هي من اعظم اسرها ثراءً وجاهاً .. وانا من اشدها فقراً وبؤساً ..
لقد توفيت امي ساعة ولادتي .. وتوفي ابي امس بعد ان اوصى جارنا جون ان يحملني الى القصر الصامت لعل العمة مايرا تحتضنني .. فان لم تشفق علي وتفعل فليحملني الى ملجأ .. اي ملجأ يقبلني .. ودفن الجار والدي ثم حملني لينفذ وصيته .
ودخلنا القصر الصامت .. وتبسمت للعمة العبوس .. وكنت طفلة ملائكية فرق قلبها عليّ واخذتني من ذراعيه الى ذراعيها وهكذا دخلت جنة الثراء .. واستراحت عظام والدي في قبرها .
وتجمعت حولي النسوة الثلاث وهن كل سكان القصر .. عمي مايرا والام دونكان والخادم جرترود .. او ربة القصر .. والوكيلة الحاكمة .. وخادم الكهلتين .
القصر الصامت وثلاث كهلات .. اليس وراء ذلك قصة .. ؟ اذا فلنعد ربع قرن الى الوراء يوم كانت العمة مايرا في العشرين من عمرها .. هل قلت لك انها كانت في الخامسة والاربعين يوم دخلت القصر وعمري شهر واحد .. ؟ وهل قلت لك ان الام دونكان كانت يومئذ في الخمسين .. والخادم جرترود في الستين ؟ ..
كان قصر آل مونتاد على التلة الخضراء زاهراً قبل ربع قرن .. يضم اسرة مكونة من والدين وابنتهما الشابة الجميلة .. وتقدم لخطبة الفتاة الثرية امير ايطالي احبته فاسف ارستقراطيو لندن لان شبابهم اضاعوا الجمال والمال .. وكانت ليلة العرس فتغنت الصحف بثراء آل مونتاد وبذخهم .. كما تغنت بفتنة العروس وادبها الرفيع .. ثم لم يتم العرس ولم يعلم احد لماذا ..
ولكن اعز الاصدقاء علموا ان العريس كان اميراً مزيفاً .. اوقع الفتاة في حبائله ثم فر لانه احس ان يد العدالة اكتشفته .. ومرضت العروس مرضاً عضالاً لم تشف منه الا باعجوبة .. ومن ذلك الحين اقفلت ابواب القصر في وجوه الزائرين .. وخيمت عليه السكينة حتى اطلق عليه القرويون المجاورون لقب « القصر الصامت » .
واثرت الصدمة تأثيرها الشديد في مايرا .. تأثيراً افقدها الثقة بالرجال كلهم .. فمزقت كل صورة لرجل في القصر .. وطردت من خدمتها كل الرجال .. واقفلت ابواب القصر في وجه كل رجل .. ثم راحت كلما قرأت حادثاً عن خيانة رجل .. او لصوصية آخر .. فلؤم ثالث .. راحت تقص القطع وتلصقها في دفتر اصبح مع الزمن ضخماً عنوانه « مآسي الحياة ومن هم مسببوها » وكان في الكتاب من الحوادث ما لو قرأه ناسك متعبد لصرخ الى ربه ان يرسل صواعق تمحق الرجال كلهم فلا تبقي على ثمة واحد ...
وفي القصر الصامت عشت اربعة عشر عاماً لم ار خلالها رجلاً .. ثم ارسلتني عمي مايرا الى مدرسة تهيأ فيها الفتيات لدخول الدير .. لا لاصبح راهبة ولكن لكي لا ارى رجلاً .. وبعد اربع سنوات عدت الى القصر الصامت .
وحدثتني مرآتي بانني جميلة وبان لي محياً لا تقارفه البسمة السعيدة .. ولم لا .. الست معبودة نسوة ثلاث يغدقن عليّ من العطف والحنان ما لا تغدقه الا الامهات .. اليس كل ما توفره الثروة من سعادة متوفراً لي .. ؟
ولكنني ذقت آلام الحياة .. توفيت فجأة العمة مايرا .. توفيت .. ما اقسى الكلمة .. وكيف يحدث هذا لها .. وفجأة .. بينما كانت تبدو مملوءة بالنشاط والحركة ..
لقد أمرت اول امس ان يخرجوا لي المعزف من مكانه ..

