كانت تهز رأسها هزة الآسف ..
العارف ..
وجاءت الرفيقات .. وسيطر الذهول
عليهن لمظاهر الأبهة التي أعيش فيها ..
وسرحن ومرحن كسرب من الظباء ..
ثم ذهبن بعد أن دعتني كل واحدة لقضاء
أسبوع عندها .
وانتظرت قليلاً ثم مضيت لزيارة
الرفيقة الأولى .. ورأيت أخاها .. شاباً
جميل المنظر ظريفاً .. وامحت من مخيلتي
كل حوادث الدفتر الكبير .. وتخيلت
عمتي ظالمة صارمة .. مخطئة في حكمها
على الرجال .
أجل .. لن يكون هذا الفتى البريء
الملامح . من الزمرة التي عرفتها عمتي ..
إنه يحبني .. ولنفسي .
وكانت الليلة الرابعة على سعادتي
عندما أرقت فخرجت من غرفتي إلى
الحديقة .. وسمعت همساً .. كانت
تقول لأخيها .. كن أكثر تلطفاً معها ..
وكان يجيب .. أواثقة أنت من أنها
الوريثة الوحيدة .. أم أنها تكون صفقة
خاسرة ..؟ وفي الصباح كنت أودع
الأسرة .
وعند زميلتي الثانية حططت
الركاب .. أوه لن يحدث هنا ما حدث
هناك .. فالأسرة وافرة الثراء ..
والغنى .. هذا الوجه المليء بالفتنة ..
المشعّ بالظرف ..
ومرت أيام خمسة .. نعم إن حكم
عمتي على الرجال ليس شاملاً .. ولا يجب
أن يكون .. فهنا امتياز .. وهنا
نبل .. وبغتة أقبل صديق لفتاي وبين
المزاح الجد مضى يدعوه لليلة حمراء ..
وتخلص فتاي وغير الموضوع .. فلما
خرج صاحبه ومشى بجانبه سمعته بأذني
التي تسمع دبيب النمل يؤنبه .. ثم
يطمئنه إلى أن الضيفة مسافرة بعد غد ..
والصبر أولى .
وسافرت الضيفة في الغد .. لا إلى
زميلتها الثالثة بل إلى قصرها الصامت ..
أو ليس هو في صمته ووحشته أنقى من
كل ما رأت .. أو لم تكن العمة مايرا
بأعوامها الستين خبيرة بشؤون الرجال ؟
وصعدت التل الأخضر فأثار استغرابي
تهدم في القصر .. فأسرعت وإذا بالأم
دونكان تخبرني أن حريقاً شبّ وكاد
يلتهم القصر بجملته لولا مرور ضابط
نبيل أسرع واستدعى المزارعين وخاطر
بحياته حتى أنقذ القصر .. ولقد أصيب
بحروق بالغة وأمر الطبيب أن يبقى هنا
ليعوده إلى أن يتعافى .
وتكدرت .. فما عدت أطيق رؤية
رجل .. هؤلاء الذئاب الغادرون ..
ولكن الشكران واجب .. وهكذا
دخلت لأشكره فكان معصوب الرأس
والذراعين لا يكاد يبدو من محياه سوى
عينين سوداوين يتجلى فيهما النبل إلى
جانب الألم الشديد .
ومر شهر كامل .. إنه قلما يتكلم ..
ومع ذلك فكم يختلف عن الآخرين ..
ثقافة ناضجة .. أدب جم .. حياء
وترفع .. وكل ما يمكن أن يعشق ..
إنه ينتظر أن يأذن الطبيب بانصرافه ..
أو أن يستطيع هو ذلك .. ولكن أحقاً
أنني سأفقده .. ما أسرع ما تمضي الساعات
بجواره .. وما أمتعها وقد سمت روحانا
وخلفت الأجسام وراءها لا شأن لها بها .
وأخيراً ... لن أدعه يذهب .. وإلى
جهنم الثروة كلها .. ومضيت إلى المحامي
وأخبرته بذلك .. سأعيش مع فتاي على
الخبز الكفاف إذا اقتضى الأمر ...
وسنسعد معاً .
وسمع المحامي قصتي فابتسم .. ثم
أخرج من خزانته غلافاً فضّه وقرأ
ما فيه .
إلى المحامي سام
متى أتتك الحبيبة غلوريا لتخبرك بأنها
اختارت الزواج مضحية بكل الثروة في
سبيل من تحب . فلا شك أنها عملت
بنصحي واختارت الرجل الكفء بها ..
عندئذ أخبرها بأن كل ما أملك هو لها ..
وأنني ما قصدت من وصيتي إلا تحذيرها
لئلا تزلّ قدمها .
وطرت فرحاً ومضيت أرتقي التل
الأخضر على جناحين .. وقابلتني الأم
دونكان بوجهها الشامت وهتفت .. لقد
مضى .. إنه لن يتقاضى لمعروفه هذا
الثمن الغالي .. لقد أخبرته بوصية العمة
مايرا وبالتعاسة التي تنتظرك إذا ما
تزوجته فخسرت كل شيء .
وكدت أصفعها .. وأسرعت إلى
غرفته .. وتهاويت على السرير .. ولمحت
ورقة أسرعت إلى قراءتها ..
لا أريد أن أقرن حظك بحظي
فأمحق سعادتك . إني مدين لك بأهنأ
ساعات تذوقتها في حياتي فتذكري دائماً
أن لك خادماً مخلصاً هو
رودلف
ورحت أنتحب وقد تفتت قلبي ..
ولم يُعدني إلى وعيي إلا طرقات على
باب القصر الخارجي .. كان القرويون
الذين ساعدوه على إطفاء الحريق يحملونه ..
وقد وجدوه غائباً عن الرشد لآلام جراحه
بينما كان يحاول الهرب من طريقي .
ساعة وخرج الطبيب من غرفته
فدخلت وإذا به يبتسم لي .. للمرة الأولى !
( عن الإنكليزية بتصرف )
٣٠
