يتمنى معظم الوالدين في بلادنا لو أن الفصل الدراسي في المدارس يمتد طيلة السنة ولا يتوقف حتى في فصل الصيف. وأمنية الوالدين هذه مجردة عن أي تفكير إلا التفكير بأنفسهم والتنكر لواجباتهم الأبوية. وهم يتمنون لو أن أولادهم يذهبون إلى المدرسة كل يوم من أيام السنة حتى في فصل الصيف. لأنه متى جاء فصل الصيف وأقفلت المدارس، نزلت مصيبة المصائب بالوالدين وأخذوا يفتشون على وسيلة يبعدون بها أولادهم عن البيت ولو قسماً من النهار. والمعروف أن فرصة الصيف تعطي للتلاميذ للراحة والتغيير واستعادة النشاط للعام الدراسي القادم.
أنا لا ألوم الوالدين كثيراً إذا هم شعروا هكذا نحو أولادهم لأني موافقة معهم إن تسلية الأولاد لا بل تربيتهم ليست مهمة سهلة، فهي تحتاج إلى تضحية ومعرفة وجهد.
فكم من الأولاد يرسلون إلى المدرسة في فصل الصيف ليس لأنهم بحاجة إلى الدرس والتقوية في بعض المواد، بل لأن البيت ينقلب رأساً على عقب مجرد وجودهم فيه. وهكذا نرى أن معظم مدن الاصطياف عندنا تحوي عدداً غير
ضئيل من المدارس الصيفية. وهذا العدد يزيد سنة بعد سنة لأن الإقبال على هذه المدارس يتضاعف كل عام. والمصيبة تقع على الأولاد إذ إنهم يرسلون أكثر الأحيان إلى مدرسة صيفية تتبع أنظمة وأساليب غير التي تعودوا عليها وألفوها في مدرستهم في الشتاء. وهكذا ينفر الأولاد من المدرسة ومن الدرس ومن الكتب ومن كل شيء.
أنه ليس من الخطأ أن يشعر الوالدون أحياناً أنهم تعبوا من أولادهم ويتمنون لو يتمكنون من إعطاء أنفسهم فرصة قصيرة في منأى عن هذه المسؤولية. إن شعوراً كهذا ينتاب الوالدين أحياناً هو شعوراً طبيعي ... لكن المشكلة عندنا في أن هذا الشعور ينتابهم دائماً دائماً!!
هناك أسباب عديدة لنفور الوالدين من مسؤولية أولادهم في فرصة الصيف ولتضجرهم من وجودهم في البيت طيلة الوقت، مما ينقل الضجر بالعدوى إلى الأولاد أنفسهم. وينفرهم أيضاً من والديهم .. وهكذا يتضايق الفريقان.
إن الأولاد بحاجة إلى الاهتمام، وهم بحاجة إلى تحمل المسؤوليات والانشغال بأي شيء كان. فإذا نظم هؤلاء برنامج يتبعونه في فصل الصيف نكون قد
أنصفناهم. أما في معظم بيوتنا، فالأولاد يأخذون الفرصة ويبقون في البيت ويبدأ الصراخ والمشاغبة بين الأم والأولاد. أما الأولاد فيريدون أن ينشغلوا بشيء ما؛ لكن الأم تضع الحواجز العديدة والقوانين غير المعقولة لمنع الأولاد من استعمال هذه الغرفة، أو ذلك البلكون أو تلك الكرسي. وهكذا تقابل كل طلبات من الأولاد بالصد والنفي، فيضجر الأولاد من كل هذه الموانع وينقلب تصرفهم الساذج الحلو تمرداً عنيداً قاسياً يعاكس كل كبير في البيت.
إن الولد الطبيعي الصحيح الجسم والعقل يحب الحركة، يحب العمل ويتوق إلى التشجيع والترغيب. فلماذا لا يجلس الأب والأم مع أولادهم مهما كان عددهم، اثنين، ثلاثة، أربعة. ويضعون برنامجاً أسبوعياً يتمشى عليه الأولاد؟
لنفرض أن عند عائلة صبيين وبنتاً تتراوح أعمارهم بين السادسة والثانية عشرة. في برنامج أعمال هؤلاء الثلاثة عون كبير ومجد على الأم طيلة النهار. شرط أن يراعي البرنامج ميول الأولاد الطبيعية وتؤخذ آراؤهم فيه.
ربما تقولون، كيف يجلس الأولاد معنا لوضع برنامج؟ وهل هم في مدرسة ليتمشوا حسب برنامج موضوع؟
وجوابي أنه إذا فرضتم على أولادكم ما يجب أن يعملوه وإذا أحس الأولاد أنهم مسيرون حسب تفكيركم أنتم وأوامركم، فإنهم كثيراً ما يعاكسونكم. وعندئذ تنعتونهم بالتمرد والعصيان، وتفرضون عليهم بعض القصاصات وهكذا تبدأ المشاكل ...
