في ذاكرتي من نازك الملائكة ابيات ثلاثة عرفتها بها واحببتها . ترافقني اليوم مع ذكريات سني دراستي . وقر ببالي مع الصف والتلاميذ ومعلمي مارون عبود ، الذي قال فيها ما قاله النابغة في الخنساء . وكأن عمر ابوريشه هو حسان مارون عبود .
اما الابيات الثلاثة فهي :
ما زلت ، منذ ذهبتَ حيرى في الدجى شهد الاسى اني لزمت مكانيا وهمي يصور لي خطاك ووقعها فاذا اصخت صحوت من اوهاميا لا شيء ... غير الريح تعصف في الدجى لا شيء ... غير تنهدي وبكائيا ...
xxxx
الدجى ، الريح ، التنهدات ، التصوّر والتخيل ، الدموع ...
انها القاسم الاعظم المشترك في كل ما قالته نازك الملائكة حتى الآن .
لم احاول مرة ان اقرأ شاعراً او اديباً او كاتباً الا وعملت على اكتناه نفسه . دخائلها وظواهرها ، قرارات امواجها وزبدها ، من خلال ما يكتب ، لأني اعتقد ان الاديب الذي لا يحيا ادبه ، ولا يكون ادبه انبثاقاً صميماً لتجربة عاشها ، وانطلاقاً من قواعد النفس ، عقلاً وفكراً ومشاعر واحاسيس ، ليس بالاديب الذي يستحق ان يقرأ .
من وجهة النظر هذه احاول ان
استعرض شعر نازك الملائكة في «قرارة الموجة»
xxxx
لا شك ان الشاعرة قد تطورت منذ «عاشقة الليل» حتى «قرارة الموجة» ... ولكنها تطورت في الخط الذي بدأته ولم تخرج عنه قط .
الدجى مثلاً ، لم تعد نازك الملائكة تحبه فقط بل اصبحت تخشى الصباح :
لنفترق الآن ما زال في شفتينا نغم تكبّر ان يكشف السر فاختار صمت العدم وما زال في قطرات الندى شفة تتغنّى وما زال وجهك مثل الظلام له الف معنى كسته الظلال ، جمال المحال وقد يعتريه جمود الصنم اذا رفع الليل كفيه عنا ..
التنهدات ، انطلقت وتتابعت وتكثفت حتى اصبحت حزناً يلازم نفس الشاعرة ولا تستطيع فراقه ، بل هي تستغيث به وترى فيه راحتها :
نحن هيأنا له حباً وتقديساً ونجوى وتهيأنا للقياه عيوناً وشفاهاً وسنلقاه مصلين كما نلقى الهاً وسنهديه انفجار الادمع العذبة سلوى وسنحبوه اسى اقوى فأقوى وسنعطيه عيوناً وجباها ...
اما الاوهام والتخيلات فقد اصبحت اشباحاً وصوراً مرعبة تبعث في نفسها
التطير والشعور والريبة والخوف والرعب من شيء تجهله او تتجاهله ، تحاول ان تخفيه ويبرز بين الكلمات ، وفي تلافيف الحرف .
لعلي لا اتفلسف اذا قلت إن نازك الملائكة ، في هذه المجموعة تحاول ان تتخطى القيود التي فرضها وضع مجتمعها عليها وعلى الكثيرات مثلها ، ولكنها تصطدم بالتقاليد ... فتراها في روعة انطلاق شعرها تقف فجأة فتحس وانت تقرأها باهتزاز لهذا الوقوف المفاجئ وتشعر ان هذه الانطلاقة لم تستمر الى المدى الذي ارادته الشاعرة ...
هكذا فهمت هذه القوافي الساكنة في اكثر ما كتبته عن نفسها ومن نفسها :
لكنا اذ كنا نحكُم احسسنا شبه صدى مبهم في الامواج الداكنة الصمت سمعنا شبه صدى خفاق الجنيات المنتقمات يصعدن الينا في عربات واجاب رفيقي : «لاهيات ذلك صوت الموج الرقراق ...
هذا الوقف المفاجئ لا نجده مثلاً في «الشهيد» و «النائمة في التاريخ» «واسطورة عينين» ... ونحسها اقل وقعاً في «دعوة الى الحياة» .
ان اكثر شعر نازك الملائكة في هذه المجموعة هو اوزان حية منطلقة ، ومشاعر
