حية تحاول الانطلاق ، وتعبير سهل بسيط عندي . فلا تفتيش عن اللفظة ، ولا غوص وراء الكلمة والغموض في المعنى ، في المرامي وفي محاولة فاشلة لتصوير نفس كل ما حولها يكبلها وتعزي الشاعرة نفسها عن هذا الغموض
لو كشف الزئبق الغازه
لم يبق معنى لشذاه الرقيق !!
قصائد هذه المجموعة ، ككل ، انخيلها يتغنى بها الرعيان والبحارة والمتنزهون على الضفاف وبين النخيل فكلها الحان هادئة عميقة حزينة عذبة .. حتى قصيدة « الشخص الشاني » التي يشعر فيها القارئ لهب غيرة مكبوته والمأ دفيناً عميقاً ، وزنها يرقص ومعناها ينتفض ...
التاريخ عزيز على قلب الشاعرة ، ولعل ما فيه من غموض يتجاوب مع ما تحاول ان تضفيه على نفسها من غموض وما تكره عليه من غموض فبابل وحمورابي والمعبد والبخور والكهنة اشياء تثيرها وتخفر شاعريتها :
ماذا يقول النهر ؟
تسبيحة
من بابل النشوى بعطر البخور
وموكب الكهان في معبد
دجله يطوي سره والصخور
وذكريات الليل والشمس عن
مدينة الشمس وراء العصور
وعن حمورابي وعن حبه
وماطوى سفر الزمان الغدور ..
والحاضر كذلك ، حاضر بلادها
تراه وتحسه ارضاً وماء ونخيلًا ورعيانا ومتسولين وشهداء وتلالاً ومنحدرات .
الشهيد تحسه في الارض العابقة بدمه وفي النهر الذي يبعث في كل جدب خصباً :
فليجنوا ان ارادوا
دونهم ... وليقتلوه الف قتله
فغداً تبعثه امواه دجلة
وقرانا والحصاد ...
هذا النهر نفسه الذي يرتفع الى درجة القداسة نراها تفجر ثورة لا تنطلق تجدف عليه تحت ضغط الصدمة :
ولا يرسل النهر من ملل نغمة لا تطاق
نصيخ لها في احتقار
لأن الطريق طريق الرجوع ...
العنكبوت والسمكة الميتة ودقات الساعة الرتيبة ... تطل على تطير ابن الرومي من نافذة عريضة ... ولكنها تبقي في بناء نفسي وشعري مستقل فلا تعدو الاطلالة ...
إن من يتتبع تواريخ القصائد يمكنه ان يحكي قصة الشاعرة . واتمنى ان يكون « دعوة الى الحياة » هي آخر قصيدة نظمت ، وان تنظم هذه الثورة في تفتيش عن الخلق بعيداً عن الدموع والآهات والليل والاشباح .
لم اوقن ان نازك الملائكة تحيا التجربة التي تصفها شعرا حتى قرأت « الشهيد » و« النائمة في الشارع » و« مرثية امرأة لا قيمة لها » ، فهي في ما عدا هذه القصائد تحمل الريشة وترسم اللوحات التي لا تعبر الا عن نازك الملائكة ، وهي التي تكيف الالوان وتمزجها وتكيف الصور
والظلال ، فيبلغ الشعر قمة الوجدانية . اما في هذه القصائد فانها ترمي الريشة وتحمل الكاميرا فتقدم صورة متحركة ولكنها ليست اكثر من صورة تعرضها علينا :
والليل اسلم نفسه ، دون اهتمام للصباح
وانى الضياء بصوت بائعة الحليب وبالصيام
بعواء قط جائع ، لم يبق منه سوى عظام
بمشاجرات البائعين ، وبالمرارة والكفاح
بتراشق الصبيان بالاحجار في عرض الطريق
بمسارب الماء الملوث في الازقة ، بالرياح
تلهو بابواب السطوح بلا رفيق
في شبه نسيان عميق ...
عندما تحدثت على الشكل قلت انه لا يهمها ، ولكنه لا يهمها الى حد الاستعانة بصور وتشابيه وتعابير معادة مكررة قد لا تمسها ولا تكون قد عاشتها كالكأس مثلا ، وهي كثيرة في نازك الملائكة ، واحياناً يستهويها النغم حتى الانجرار في الشعر كقولها :
طيفه اثبت من جيش عنيد
جائم لا يتقهقر ...
هذه «الجائم لا يتقهقر» قتلت المعنى .. لعلي افتش عن نفس نازك الملائكة واحاول فهمها اكثر مما انتقد شعرها وادرسه ، وهذا هو ما اقصده في هذا المرور السريع بهذه المجموعة ، فدراسة شعر نازك الملائكة لم يجن وقته بعد .. اعتقد اني قبضت على المدخل الذي انفذ منه الى فهمها ،
عاشت نازك الملائكة حياة شعبها ، مقيدة مكبلة ، وعاشت مع شعوب
