بقدوم شهر ايلول يلمّ الصيف ذيوله ويهمّ بالرحيل، ويساور الناس شعور بالفرح لاقتراب الخريف، ومعه افتتاح المدارس وعودة الاولاد الى دروسهم ... ذلك ان معظم الوالدين لا يطمئنون الى « الكيفية » التي يمضي بها اولادهم عطلة الصيف - فهم جلّ اوقاتهم فريسة النشاطات الفارغة، فان كانوا في مصيف جبلي فالتسلية الوحيدة هي النزهات المسائية على الدروب السمراء، او التعريج على مقهى والانتعاش بكأس مرطبة، وانتظار ساعة النوم في التلهي بكوكتيل من الاحاديث، تلمس الابحاث لمساً خفيفاً دون تعمق او شحذ فكر. اما اذا كان اولادنا في الساحل، فلا اوسع من الشطوط منتحراً لساعات نهاراتهم، ولا اكثر من دور السينما متنفساً ساماً لشجونهم، ومرتعى لعواطفهم المتقدة.
ونحن الوالدين - على الغالب - ينتابنا القلق والخوف من ان الرسن افلت من يدنا او كاد، فنحن عبثاً نحاول توجيه اولادنا وحملهم على المطالعة وتنظيم اوقاتهم تنظيماً مثمراً، ورغم محاولاتنا كلها، يبقى صوت المغريات الاجتماعية احبّ الى اسماعهم واقرب الى اذواقهم من اي برنامج تهذيبي قد نتعاون واياهم على وضعه، ليظلّ بالتالي حبراً على ورق!
هذه المشاكل الاساسية لا تحل بانتهاء الصيف وعودة اولادنا الى المدارس، لان صيفاً آخر سيجيء في حينه، وآخر وآخر، ومع كل عطلة ستقوم المشاكل نفسها من جديد، وتستفحل خطورتها عاماً بعد عام، ما لم نسع الى معالجتها سعياً جدياً واعياً فنهيّء لاولادنا، مراعين اعمارهم وميولهم الطبيعية، مجالات للهو البريء ذي الفائدة والمتعة معاً ... فما لون هذه المجالات؟
كلنا نرقب بكثير من الغبطة النهضة الفنية التي بدأت في الاونة الاخيرة تبرعم وتتفتح في اوساط مجتمعنا، وكلنا نحلم في ان يتاح لاولادنا ان يلعبوا الادوار التي لم تتح لنا. حبذا بيوتنا مسرحاً للموسيقى والرقص الشعبي والتمثيل والرسم، وحبذا اولادنا ابطالها ... ولكن الوقت؟ اين لهم الوقت لتحقيق هذا الحلم، وبرامجهم المدرسية مثقلة بما هو فوق طاقتهم العقلية؟
هنا تبرز اهمية العطل الصيفية وامكانية استخدامها منفرجاً لهذه الحقول، فننشّط النوادي المحلية التي تعمل لهذه الغايات، ونجمع ضمّة احداث هنا وضمّة هناك، تتجانس في اعمارهم وميولها وتعمل متعاونة تحت اشراف خبير، كنواة لفرقة موسيقية تعزف فيها شتى الآلات نحو غاية واحدة، او لفرقة تمثيل او رقص شعبي او رسم ...
يقيني، ان اولادنا متى وُجّه نشاطهم الذهني واليدوي، واحرقت طاقتهم الحيوية في سبيل عمل شيق مثمر، وأطلقت لهم حرية التعبير الصادق عن مكنوناتهم، استيقظت مواهبهم واينعت، وخمدت فيهم الرغبة الجامحة نحو الفراغ الذي يسوقهم اليوم في تياراته الجارفة ... كل ما نحتاجه تدارك اولي الامر قبل ان يستشري الداء وتضيع من امامنا الثمار اليانعات التي اردناها غذاء لفلذات اكبادنا ...



