منذ أسابيع تمطرنا الصحف والمجلات ومحطات الإذاعة أنباء عن الآغا خان: أنباء وفاته، وصيته، الاحتفال بدفنه، الحفيد الذي أخلفه، ونحو ذلك.
والذي أذكره عن هذا الآغا خان مما نشرته الصحف، أنه قضى حياته متنقلاً في عواصم أوروبا. حيناً كنت أرى صورته مع زوجته الفرنسية، وحيناً مع زوجته الأخرى (البيجوم) بمناسبة عثور رجال الشرطة على حلاها المسروقة التي تقدّر قيمتها بملايين الليرات. وأذكر أن طائفته الإسماعيلية المنتشرة في الهند والباكستان وسوريا كانت تهديه كل مدة ما يعادل نقله ذهباً أو ماساً أو بلاتينا أو غير ذلك من الحجارة والمعادن الكريمة. ولعله لهذا كان يحرص على الاحتفاظ بوزنه الثقيل. وبفضل هذا الكرم الجنوني عند أبناء طائفته استطاع الآغا خان أن يتنقل بين عواصم أوروبا الغربية وأن يُصبح من كبار متموّلي الأرض ويضاعف ثروته بتربية خيل السبق وبمزاولة ضروب أخرى من التجارة، وأن يعيش مع أبنائه وزوجاته عيشة بذخ وإسراف، فيتزوج ابنه علي خان ريتا هيورث ثم يطلقها بعد أن يُنفق عليها من الأموال ما لا يقع تحت حصر.
كل هذا وغيره كانت الصحف تتبسّط في وصفه. لكن هناك أسئلة حول هذا الآغا خان ما زالت تراود ذهني فلا أجد إشارة إليها ولا جواباً منها في الصحف، مثلاً: كيف يحقّ لزعيم روحي يحسبه أتباعه إلهاً أو نصف إله أن يقيم في أوروبا بينما تقيم شيعته في آسيا؟ وكيف يحقّ له أن يعيش عيشة بذخ
وبطر ومقامرة؟ وما الفائدة التي يجنيها هؤلاء المؤمنون من هذا الزعيم مقابل الأموال الطائلة التي يغدقونها عليه؟ صحيح أنه أوصى لفقرائهم بسبع مئة وخمسين ألف ليرة سورية ولكن ما هي هذه القيمة إزاء الحجارة والمعادن الكريمة التي كانت تُحمَل إليه أكواماً؟
وبعد - ما يزال في القرن العشرين وفي أقطار متمدنة، جماعات تؤله إنساناً وتغمره بالهبات والأموال المجموعة من فقرائها وأغنيائها على السواء. وفي أقطار متخلفة اقتصادياً، يحتاج أهلها إلى كل غرش تنتجه أراضيها، وفي بيئات تشكو التفاوت الاجتماعي وترتفع فيها نسبة الفقر ارتفاعاً هائلاً، ما يزال هناك أناس ينقلون أموالهم بالملايين إلى رجل يعيش في عواصم أوروبا عيشة الملوك في عهودهم الذهبية.
ورغم هذا - لا يرتفع من أبناء شيعته صوت في الشكوى والاحتجاج. ولا يجسر أحد من رجال الصحافة، الذين ينشرون له الدعايات، على إرسال كلمة تعجُّب أو استنكار. ولا يحاول واحد منهم مخاطبة هؤلاء القوم لإثارة تفكيرهم ولحملهم على مناقشة شعائرهم الدينية وتقاليدهم الموروثة. وليس بينهم من يسأل المفكرين من أبناء الطائفة: هل قضي عليكم أن تُستعبدوا لماضيكم وتقاليدكم ولو خالفت أبسط قواعد المنطق وأنزلت بكم أفدح الخسائر؟
ترى من يُفتينا حول هذا الموضوع؟




