ثمة تقليد شائع بين الشعراء يقول: ان الالهة تغار بعض الاحيان من سعادة الانسان وتدفعها غيرتها الى الحق فتعاكسه.. ولو كانت تعقل عن حق لسهلت له طريق السعادة ولما كلفها ذلك شيئاً سوى مضاعفة شكره اياها، وبالتالي ازدياد انسها وانشراحها مدى الدهور..
ان السعادة الحقيقية هي ان تُسعد من نحب... كيف ذلك؟؟. هذا سر من اسرار الالهة.
في اللغة الايطالية لا يقال «احبكِ» بل يقال: «اريد لك الخير». وهذا ما كنت اشعر به نحو الآنسة اولغا: كنت اتمنى لها الكثير من الخير، واعبر عن شعوري هذا بتنضيد الازهار حول البيانو، وبالاعتناء بها كي لا تذبل... وكنت اجد بعض الاحيان لدي عودتي مساء قطعة حلوى في صحن صغير قرب اناء الزهر... ومرة وجدت ورقة. كتب عليها ما يلي: «اذا كنت حراً غداً بعد الظهر وترغب في الجلوس على المرجة الخضراء، عوضاً عن ان تسجن نفسك في المعهد الفني، ستجدني الساعة الثالثة قرب شجرات الاجاص... ايام الربيع هذه جميلة جداً!!»
××××
بعد الرسم في معهد «كولاروسي» عرجت كالعادة، لا مضي السهرة في مقهى الدوم... ولدى النظرة الاولى الى وجه سوسان قرأت في عينيها - في «غزلة» عينيها الخاصة - ان عندها شيئاً تقوله لي.. فجلست بقربها. وكان كالمي في حلقة من الاصحاب يعالجون شؤون الساعة... اما ليا فكانت بين الاثنين - متجهة صوبهم باذن، وصوبنا باذن، لئلا

يفوتها خبر! قالت سوسان: - اعرفي سمعك وانتباهك.. لدي هذه المرة اشياء جدّية مهمة.. قلت لها:
- وهل في المرات الماضية لم تكن اشياؤك جدّية مهمة؟ فلسفة الحب... السفر الى الصين؟. قالت:
- لست الان مازحة، ارجوك.. انت غريب الطباع.. يتراءى لمن يعرفك


انك على جانب من الذكاء... اما فهمت بعد ان الانسة اولغا تحبك؟
ضحكت ليا ضحكتها الساخرة فانتبهت، واجبت سوسان مازحاً جاداً في آن واحد: - اذا كنت كما تقولين على شيء من الفهم، فلكي لا افقد وعي عند اول «نتمة» انا بحاجة الى ان احب،
لا ان أحب.. ان الحب يا انسة سوسان هو شيء مهم، هو اهم واجمل شيء في الحياة.. قالت بلهفة:-
- رجوتك قل لي ما هو في رأيك، الحب الذي تعني؟؟
- انا اولاً لست من رأيك في ان الحب كشربة ماء.. ولا ان المرأة العوبة خطرة.. ولا ان الرجل واسطة فقط والغاية هي الولد.. كما يدعي «نيتشه» في كتاب له اعطتنيه الانسة اولغا اسمه «هكذا تكلم زروسترة» طالعته بشعور اختلط فيه الاعجاب بالكره.. قالت سوسان:
- لقد كان لنيتشه هذه النظرة اليائسة لان «لو سالومه» لم تبادله الحب
واكملت ليا:- كانت تقول عنه: ان نظره حاد لا يبشر بالسعادة.. بعبارة اخرى لم يكن نظره كنظر جبران..!
اسكتتها سوسان وكملت:
- ولا ريب ان الذين يفشلون في الحب يتحولون عنه الى الفلسفة، والى عمل الخير.. واصلاح الكون... ونظم الشعر.. وغزلت عيناها وقالت متممة: - كن على ثقة اني سوف لا اتركك تتفلسف وتنظم الشعر!! قلت لها:
- اذا لم افعل شيئاً من ذلك، فالفضل لا يعود اليك. صدقيني.
- الى من يعود الفضل اذن؟ هل الى... روزينة الطليانية؟؟
- هذا سري الخاص...
بهتت سوسان، ثم قالت:
- قل لي على الاقل يا صديقي، ما هو الحب؟
ليس من السهل الاجابة بكلمة او بعبارة موجزة... الحب حالة نفسية.
