هو شعور فاعل خفي ... كالشعور الفني والديني ... هذه المشاعر التي يجنّ فيها الانسان جنوناً !
ضحكت ليا بهزء وقالت :
- كلام بكلام .. حديث ممل . افضل قصة كاهن او راهب كبوشي ..
قاطعتها سوسان باشارة من يدها واعادت عليّ السؤال :
- اذا لم يكن سهلاً الاجابة على سؤالي بكلمة او بعبارة ، فانا مستعدة لسماع محاضرة في الموضوع ... شرط ان افهم اخيراً رأيك الخاص .. قلت لها :
- هذا يبعدنا عن الموضوع العملي - كما يقول كالمي - هل انت مكلفة بمهمة من لدن الانسة اولغا ؟ ماذا تريد بالتمام ؟ لقد بقينا مؤخراً نحو ساعتين جالسين على المرجة الخضراء نتباحث في كل شيء ... عدا الموضوع العاطفي ... لم تلفظ كلمة ولا بدا منها ما يجعلني احس بان في عروقها دماً يجري ... وفي صدرها قلباً يخفق !!
- انتم الرجال « بهاليل » سذّج .. وانت على الخصوص ... اولغا وان تكن من عمرنا ... الا انها في شؤون الحب لا تزال طفلة صغيرة ...
زفرت ليا زفرة طويلة علامة الضجر ... فقلت لها متعمداً تغيير الموضوع :
- اقتربي لاخبرك قصة راهب كبوشي :
« عند الساعة العاشرة صباحاً ، والحر شديد الوطأة .. كان حضرته سائراً خلف حماره في سهل واسع فشعر بالتعب وحاول الركوب على ظهر الحمار فلم تحمله قدماه ... بحث عن حائط او صخرة يستعين بها في الركوب فلم يجد ... لم يبق امامه الا الركوع والصلاة لمار انطونيوس
ثم نهض واسند يديه على ظهر الحمار وقفز بكل زخمه ... فكانت النتيجة انه انقلب الى الجهة الثانية ... عند ذاك قام ينفض التراب عن جبته وهو يقول : « أكثر من اللازم يا مار انطونيوس ... انا لم اطلب منك كل هذه النعمة ! » ضحكت ليا مقهقهة بملء شدقيها .. اما سوسان فقربت فمها من اذني واسرّت اليّ بشيء احوّل عنه النور الآن ..
وصلتني في اليوم التالي كلمة من الاخت « تيريز » راهبة المحبة ، تسألني عن الصور اذا كانت جاهزة ، فجاوبتها بالايجاب وعينت لها الوقت لاستلامها ... واحضرت صورة العذراء - ام السبعة آلام - وصورة المسيح في بستان الزيتون . ورتبت المحل لاستقبال الاخت « تيريز » . جاءت في الوقت المحدد مع الام الرئيسة وراهبة ثانية - دخلن بوقار ترفرف على رؤوسهن الاجنحة البيضاء ، وجثوْن امام الصور وضمن ايديهن على صدورهن في صلاة قصيرة ... ثم نهضن واقفات وصرن على التوالي يبدين اعجابهن بالصور ويشكرنني .. دعوتهن للجلوس فجلسن بحشمة وسألتني الام الرئيسة عن صحتي واحوالي وعن اخبار عمي البطريرك وشقيقاتي الراهبات ..
اجتاحتني موجة من التأثر العميق ... من الاشعاع الروحي والاطمئنان الداخلي ... ان مشهد التعبد والخشوع على وجوه الراهبات هو الجمال الالهي الحق ! ما كان ابعدني تلك اللحظة عن التأثيرات العالمية ؛ عن مقهى الدوم ، ومعهد الرسم وشوارع باريس القديمة ... حتى وعن المرجة الخضراء .. كل تلك الاجواء بدت لعيني الباطنة مادة باردة ، نسبة للجو النقي الدافيء الذي اسبغته حولي عذارى المسيو « فنسان » وعبثاً حاول شيطان العقل ان يقول كلمته ، فقد اسكته الشعور الداخلي العميق ...

