ام مسعد
معصرة الزيت .. شجرة التوت .. درب العين .. تعرف ام مسعد اكثر مني ومنك ... ولولاها .. لما كانت المعصرة ، ولا الشجرة ولا تلك الدرب الشاحبة ... التي طالما سارت عليها ام مسعد ... تتغندر في مشية العزّ والصبا .. او تتهادى .. وقد توجت رأسها بجرة تطفح بماء العين الشافية !
ويا طالما امضت ام مسعد .. الساعات في المعصرة .. تترقب حصتها من خيرات السنة : زيتاً .. ذهبياً صافياً .. وكم من الامسيات اسندت ظهرها الى جزع التوتة المسنة تعبة .. وفي حماها يخلو لها الميدان .. فتمد الرجلين على الارض الوسيعة .. وتتنهد .. ثم تتمم ما شاء لها ان تتمم .. وهي التي تركت للطبيعة السمحة زمام امرها ! والطبيعة في القرية .. إله !!
ام مسعد ، كشجرة التفاح في الجنينه .. يزيّن وجهها احمرار ناضج ، وتتماسك فيها قامة ممتلئة الجذع .. صلبة الفروع وقد كان ، ما كان لام مسعد ، غواها ودلالها ! وكان لها الرقصات المتلوية في اكثر من سهرة .. يوم الجديلة العبلى .. والحدود المقمرة ، والخصر المبكل ، واليد «المحننة»
ويبقى اليوم لام مسعد .. رفقة الغنّات الى الربوع ، وحلب البقرة المكتنزة .. وغسل الشراويل .. وتصفيف الحطب في القبو .. وتجهيز كيس العدس والحمص والكشك ودكوجة الدهن للشتاء .
عالم ام مسعد في القرية .. هو ما تعرفه من العالم ! فكيف تسأمه ؟ كيف تشتهي الجديد الغريب الذي يعيش في مدن ما وراء جيلها ؟
هذا الغريب اسطورة تتسرب الى مخيلتها فتجبه .. ولكنه
يظل عندها اسطورة تروى لا اسطورة تعاش !
يوم ام مسعد .. كأمسها .. كغدها .. يدرج بها ولا يقلق قناعتها .. وداعها له هو .. هو .. فهي التي تقفل باب الفن وترمي الى الغنّات آخر عبطة من الحشيش ثم تغطي فوهة البئر الداكنة وتنام .. تنام ام مسعد ليبرج لها الحلم المتقطع .. ما تعيشه عينها في اليقظة !
ام مسعد .. سذاجة سعيدة !!
حنينه
في دنيا حنينه .. مفتاح .. وقطة .. واثاء زهور .. وفي غرفتها صورة طفل يضحك .. فتضحك معه ساعة .. الصفاء ! يستوقفها كل شيء .. فتحدق وتتجسس وتبسم الى هناك .. ابتسامة أرادت لها ان تبدو غير مبالية .. وهي ، دعنا والتأكيد .. يجذبها كل شيء !
في مطبخها هيبة الصالون .. وفي كل زوايا بيتها مرايا خشنه تطل فيها حنينه على وجهها .. فتراه دوماً كما تتمنى ان تراه ، يكحله الصبا ويحن اليه الجمال !
وجهها .. عينان ذبل اطارهما .. واتصل سواد حاجبيها بخط حالك .. قامتها سلمت من القصر .. وفي خطوطها .. استقامة عجيبة هي مع الكل ، اقوى واجمل واقدر من الكل .. وهي على سريرها .. في غرفتها المنكمشة اسخى من يبكي .. واتعس من يشكو .. واكثر من يشتهي !
صلاة حنينه الى ربها .. عتاب .. كلها عتاب ! سألتها قريبتها ورده عن عروس سليم .. فقلبت لها شفتها السفلى وخفت صوتها .. وقالت : «يعني ، بين بين .. ينقصها الرشاقة .. والترتيب وحسن الاستقبال والنشاط .. وخفة الدم .. والرصانة .. الله يعينهم على كل حال !» هي تأكل القليل من الكثير بنهم متحفظ ! هي تحب التفاح ولا تحب الاجاص .. تحب الزيتون ولا تحب الزيت .. تحب البطاطا ولا تحب الكوسا .. وبينها وبين نفسها هي تحب كل شيء !..
فسطانها الاحمر لم تشاهد مثله في مخازن بيروت ، وعند خياطتها . وقبعتها تقول انها من الطراز الاول .. صممها حاذق من زمان ثم ترك البلاد ولم يعد مثله الينا !
حنينه تستقبل دفء الربيع المطل بمعطف واق ، وشال ملتصق بعنقها وصدرها وكلتا ذراعيها . وتودع الصيف بالمعطف

