دق جرس قريتي اليوم ، بينما كنت في كرمنا .. ورنينه احدث في نفسي انفعالاً وتساؤلاً ، ذلك انه بات معلوماً ، عندي وعند جميع اهالي القرية ، ان الجرس لا يدق الا لثلاثة امور : اولاً لدى مفارقة الروح الجسد ، ثانياً لعقد قران ، وثالثاً من اجل المناداة للتعاون على ثمة عمل ... اما القداس الروحي فقد ألغي منذ غادر كاهن القرية هذه الدنيا .
اردت الاستفهام عن القصة من دق الجرس ، فلم اجد في الكرم قريباً او بعيداً ، لان اسراب الصبايا التي كانت في الامس البعيد تتجاوب اصوات ضحكاتها في الدروب ، واغاني الشباب التي كانت تنطلق اصداؤها في الجبال ، مرددة انغام « ابو الزلف » و « الميجانا » - كل هذه اختفت ونزحت اما الى المدينة او الى البعيد البعيد ، وراء البحار .. وخيل الي لحظة انه لم يبق في قريتي غير وحشة الصمت ورعبه ، وبيوت مهجورة ودروب مرجومة !!
عدت الى قريتي من كرمنا واجمة ، وعلامة الاستفهام ما تزال على وجهي حتى بلغت بيتاً لا يزال فيه رجل وامرأة .. فسألتهما عن سبب رنين الجرس فاجابت المرأة :
- دق الجرس مناداة للناس للتعاون على سقف المقبرة العمومية ... لكن احداً لم يلب النداء لان احداً لم يبق في
القرية ... فهم اما هاجروا ... او نزحوا ...
قالت هذا واشاحت بوجهها عني ، تمسح دمعة تدحرجت على خدها ... اما انا فأكملت مسيري ، تغمرني الحيرة ، وتساءلت بيني وبين نفسي : - لماذا لا يتعاون من تبقى من سكان قريتي على بناء « مرحاض » لمدرسة القرية ؟ لقد بُنيت تلك المدرسة من عهد بعيد ، ساد فيه الاعتقاد بان المراحيض من الكماليات !! لماذا لا يتعاون اهل قريتي
على جر المياه اليها ... فليس عندنا نقطة ماء ؟؟ .
جاء الجواب على سؤالي الاول من فلاح هدّت بنيته السنون ، قال : - لقد بنينا المدرسة بقوة سواعدنا ، وحرمنا انفسنا حتى من القوت الضروري ... لنعلّم اولادنا ، ولكن ماذا اطلعت لنا هذه المدرسة ؟ اية نتائج ؟.. قولي يربك ؟! لقد انتجت شبيبة تحسب عمل الارض قصاصاً وعذاباً ... فهجرونا ونأوا الى غير رجعة !!. ذلك ان مدرستهم لم تعلمهم فيما علمت من دروس ، ان يحسنوا
بيئتهم ويستثمروا ارضهم ...
قولي لي يا آنسة من منكم تعلم وعاد الينا وارشدنا الى الاحسن ؟ مَن منكم عاد وجبر بخاطرنا ، نحن الذين اعطينا دماءنا وشبابنا لهذه الارض ، فحرثناها كروماً وزيتوناً وبساتين ؟؟ ان الذين عادوا منكم ، انما عادوا يتأففون من كل شيء ، ينتقدون ولا يصلحون ... يخططون سياسة العالم ... اما سياسة انفسهم فلا يعرفون منها شيئاً .. يطمعون ولا يطمحون ... سمعنا ان العلم يهذب ويثقف ، لكن هذا العلم الذي تعلموه حجّر عقولهم وكفرهم بكل شيء ... فكانت النتيجة ان حلت اللعنة علينا بدل البركة ، مذ طلع هذا الجيل ...
ما كاد الفلاح ينتهي الى هنا حتى اتمت امرأة اخرى الحديث قائلة : - لتبق المياه قذرة وبؤرة للجرائم والامراض ، لاننا بتنا نتمنى الموت ... فمن اجل من نعيش ؟ النخبة من شبابنا راحت !.. نحن جررنا المياه من راس النبع لنشربها صافية نظيفة ، وانتم تجيئوننا اليوم بسياراتكم الى النبع ، « لشم الهواء » ولا تتورعون عن غسل ارجلكم بماء النبع ، وقذف ما تصل اليه ايديكم من اقذار ، كأنكم تنسون اننا مثلكم ، بشر ، ونشرب من هذه المياه !!.
وعاد الفلاح يكمل : - من منكم عمل احسن مما عملنا؟ من منكم جرب ان


