ـ سلسلة اجتماعية ـ
تكونون يولى عليكم ؟
وماذا بعد ؟ اسباب ذلك التدهور ؟ وهل يمكن حصرها ياترى في مسببات بعينها ، كما حاولنا ان نحصر المسؤولين عن التدهور ، ضمن حدود « المحطات » الرئيسية التي يمر بها الانسان او تمر به عليها دوامة الحياة ، وهو في طريقه من عالم الى آخر ؟
قد يكون في ما ذكرت اجمال لتلك الاسباب التي تبدأ بنقص التربية الاساسية في المنزل ، وتنتهي بعجز الجهاز الحاكم عن وقف العجلة المتدهورة .
ولكن تلك الاسباب على تنوعها لا تعدو ان تكون مظاهر لواقع واحد ، واعراض لا يصعب على المفكر ان يردها الى اصلها .
فسوء التربية البيتية او انعدامها على الاغلب في اكثر الاسر ، لا يمكن ان يعزى الى الجهل ... بمعناه العام .
ومثله اغفال المدارس والجامعات واجبها الاول في اعداد المواطن الصالح والاكتفاء بتهيئة « المتعلمين » حملة الشهادات المزخرفة ، « والمثقفين » حملة الالقاب ... الفارغة !
وعلى هذا يقاس عمل سائر المؤسسات المفروض فيها ان تعد ذلك المواطن ـ الانسان !
والاخلاق ، منذ ارسطو ، هي عماد العلم بمعناه العام ايضاً . فليس لانسان ان يدعيه اذا لم يكن على شيء من الخلق ، من الخلق العظيم !
وهكذا ترين يا سيدتي بوضوح ذلك
الواقع الاليم ، اعني اصل الاسباب التي تتدهور الاخلاق عندنا على منحدراتها الخطرة .
انه الامية بصورتيها البشعتين : امية الحرف تفتك بعشرات الالوف بل الملايين ، من شعوبنا ، وامية الفكر ، تشل نشاط النخبة الواعية من اجيالنا .
والثانية اشد خطراً على شعوب خرجت فجأة الى انوار القرن العشرين بعد ان عاشت في قوقعة التاريخ قروناً متطاولة .
ذلك ان القضاء على امية الحرف عمل يسير : بضع سنين تكفي كي يصبح الناس ، جميع الناس ، قارئين كاتبين .. كما حدث في المكسيك منذ سنوات .
اما امية الفكر التي اصيب بها المتعلمون منا ، والمثقفون اجمالاً ، فاخطر اثراً ، واصعب مكافحة ، لانها امية النخبة هذه القلة المرجوة للتوجيه والقيادة .
هذه الامية تعطل قوى الانسان البشرية ، وتبطل طاقاته الحيوية ، وتفسد نزعاته الانسانية . بل انها بفضل الغرور الذي ينفخه به العلم الناقص ، تعيد المرء ـ والمرأة ـ عضوين اشلين في مجتمع يفتقر الى جهد كل عامل وعاملة ، كمجتمعاتنا العربية !
اللهم باستثناء الفسوق والتفنن فيه ينصرف اليهما الرجل وان صار « قمة » من قمم المجتمع ، وباستثناء الاغراء ومعارض الازياء ، تنصرف اليهما المرأة وان بلغت مرتبة « الجامعية » او حظيت بقداسة الامومة !
٣ ـ اما الطرق الجدية لتلافي هذا الخطر ، فانها الطرق نفسها التي توحي بها الاسباب او المسببات . وقديماً قال
علماء المنطق : الجواب معاد في السؤال .
ولعل تضافر الجهود ، يبذلها جميع المسؤولين المشار اليهم في اعلاه ، كفيل بتلافي ما تتعرض له اجيالنا الطالعة من انهيار .
وتبقى المدرسة ـ والجامعة ـ في رأيي ـ المسؤولتين الرئيسيتين ، اذ فيها يتم اعداد المواطن الصالح والمواطنة الصالحة ، اعداداً نهائياً . بل فيها يتم الادباء والامهات وسائر المربين المسؤولين ومن ادباء وصحفيين ونواب وحكام !
ولنقل بصراحة ان املنا في الاصلاح لا يتجه الى البيت ، بعد ان عرفنا ان بيوتنا خلو من الاباء والامهات ، وان عمرت بالوالدين والوالدات .
وكذلك فان املنا لا يتجه الى ارباب « المحطات » الاخرى التي نمر بها بعد المدرسة والجامعة ، او قبلهما ، كالصحافة والمسرح والسينما ... وذلك لانعدام الشعور بالمسؤولية ، عند اولئك الارباب الذين اثروا حياة « التجارة » على حياة « الرسالة » .
وليس لنا ان نؤمل بطبيعة الحال في الجهاز الحاكم ... لانه صورة تعكس واقع الشعب ومستوى اخلاق الجماعة .
وهكذا تنصب آمالنا كلها ، كما ترين يا سيدتي ، وتتجه قلوبنا الواجفة على اجيالنا الطالعة الى الحلقة الوسطى في تلك السلسلة الطويلة ، واعني المدرسة ـ الجامعة ففيها نعد الاباء والامهات ، وفيها نعد كذلك المربين والمربيات ، والموجهين والموجهات . وبهؤلاء وهؤلاء ، نتلافى هذا الخطر الذي يهدد شبابنا كما يهدد كياننا ومستقبل امتنا .
