ولا مردّ لمشيئته ...
هؤلاء الاطباء وحدهم - ومنهم الدكتور انتيبا - قد تجرأوا ان يصمدوا في وجه القدر ويتحدّوا مشيئته ...
واستعرض معي الدكتور انتيبا طائفة من الصور المعبرة التي تمثل التشويه قبيل العمليات التجميلية وبعدها، ثم المراحل الدقيقة الشاقة التي اجتازوها ... وبعض هذه العمليات تمر فيما يقرب من ثماني مراحل او عمليات صغيرة ...
هذه صورة فتاة في مقتبل العمر، تهيمن على وجهها مسحة من الكآبة الخرساء، وينفذ من عينها طيف مرارة اليمة واسى جامح ... واتطلع الى وجهها .. انه وجه لا ينقصه الجمال، لولا ذلك الانف المحدودب المقوس الذي يسيطر على الوجه فيشوه الجمال الفني ويطمس الفتنة المشرقة ...
ويطالعك الدكتور انتيبا بصورة اخرى للفتاة نفسها وقد اصطلح انفها ... فلا تلبث ان تقف مشدوهاً للتطور الذي حدث، ليس فقط للانف بل للوجه كله ... الكآبة الخرساء قد زايلت الوجه الصبوح لتحل محلها اشراقة وضيئة، وطيف المرارة الجائر قبلاً تلاشى ليحل محله طيف امل وابتسامة حلوة ...
وهذه صورة طفل برزت شفته العليا بشكل فظيع مبتور، وكأنها شفة ارنب، او هذا ما يطلقون عليها في عالم الطب ... ان وجهه قد ظهر في الصورة الاولى مسوخاً مخيفاً.
وهذه صورة اخرى للطفل نفسه اخذت له بعد العملية .. ما اجمله هنا! ها الشفة قد عادت الى قواعدها سالمة .. فاعادت كل شيء آخر الى طبيعته .. حتى البسمة المشرقة قد عادت تحتل مكانها من تلك الشفة .. بعد ان كانت قد خاصتها سنين طويلة ...
وهذه صورة مريض كان مصاباً في ساقه بداء السرطان ... وكان عليه ان يستأصل الداء من ساق المريض ودون ان يفسح المجال للداء ان يفتك مرة اخرى ...
وكان على الدكتور انتيبا ان يعيد الساق الى حالتها الطبيعية التي كانت عليها قبل العملية ... فما كان منه الا ان سلخ قطعة من الجلد الذي يكسو ظهر المريض والصقها فوق البقعة المبتورة من ساقه ... ونجحت العملية وعادت الساق الى شكلها الطبيعي وكأن شيئاً لم يحدث !
ولاحظت ان اكثر العمليات التجميلية تجري للأنوف المحدودبة او الكبيرة او المشوهة واطلعت الدكتور انتيبا على ما دار في خاطري فاذا به يقول:
- انا لا انكر ان عمليات التجميل التي تجري للأنوف كثيرة وخاصة للسيدات، ولكنها لا تطغى على غيرها من عمليات التجميل ... هناك عمليات التجميل التي تجري لهؤلاء الذين يصابون بالحروق والاصدامات المروعة ... وما زلت حتى الآن اقوم بشتى العمليات لهؤلاء الذين اصيبوا بالحروق على اثر الاحتفالات بالعيد النبوي الذي جرى منذ ثلاث سنوات واصيب به الكثير من اللبنانيين ...
قلت :
- هل يمكنك ان تخلق الانف او الشفة او الثدي تماماً كما يريد «الزبون» ...
قال :
- يمكنني طبعاً ان اصنع الشيء الذي يريده المريض او طالب التجميل تماماً، ولكنني لا افعل ذلك دائماً.. فانا انظر الى شكل الوجه او الجسم ثم احاول ان اعطي الشكل الذي يناسبها اكثر من غيره ... ثم اني احاول ان ادرس نفسية هؤلاء المرضى، فان الفيت انهم لن يرضوا بالنتيجة مهما كانت، فاني لا اجري لهم العملية مهما كان الثمن ...
منذ شهر اقبلت عليّ فتاة من الاردن بصحبة ابيها تطلب اليّ ان اجري لها عملية في انفها ... كانت تتأبط كومة من المجلات السينمائية، ما ان جلست حتى راحت تفتح الواحدة تلو الاخرى ومضت تريني الانف الذي تريده، وادركت ان الفتاة ينقصها النضج، فقد كانت تعتقد انها ما ان تجرى لها العملية حتى تصبح بجمال النجوم السينمائية ... وادركت ان العملية ستزيد نفسها تعقيداً على تعقيد وانها لن ترضيها بحال من الاحوال، وسرعان ما افضيت لابيها بالحقيقة ...
بعد بضعة اشهر عاد اليّ والد الفتاة يسألني ان اجري لها عملية ثانية، واخبرني انه صحبها الى ايطاليا وهناك اجروا لها العملية، ولكنها لم ترض عن نتيجتها وهي الآن دائمة الكآبة. ورغم الحاحه، رفضت مرة اخرى ان اجري لها العملية ...
هززت يد الطبيب الشاب مودعة ... وانا اثني على الانامل الرشيقة الماهرة، وذلك القلب الكبير وتلك النظرة الثاقبة والابتسامة المشجعة ... تعيد الامل الى النفوس اليائسة، وتدخل البهجة على القلوب اليائسة .. فتشرق الابتسامة في الوجوه بعد وجوم ... وتضيء النور في القلوب بعد ظلمة القنوط!
