صفحة من حياة جبران والحويك
كان بين يدي الاخت تيريز علبة صغيرة مربوطة بشريطة زرقاء ، قدمتها لي ، وسمعت الام الرئيسة تقول :
ـ بالحقيقة لا نعرف كيف نكافئك بغير شكرنا الجزيل وصلواتنا الحارة من اجل توفيقك .. بعد ذلك دعتني لسماع القداس يوم الاحد التالي ولكي اشاهد الصورتين في محلها على المذبح ... ثم وقفت مودعة ، وحملت الاخت تيريز صورة والراهبة الثانية صورة ... وذهبن في هالة من القداسة والطهر ...
فككت الشريطة الزرقاء عن العلبة المخملية ، فطالعتني مسبحة من حبات العاج الدقيقة ، علق فيها صليب فضي صغير ، وعلى بطاقة ، « مغفرة من يد الاب الاقدس » وذينة محارم كتان طرّز على حواشيها اول حرف من اسمي .. ومكتوب شكر بامضاء الرئيسة . ما ازال احتفظ بكل هذه الاشياء تذكاراً جميلاً ...
كان جبران يستمع اليّ اسرد له اخباري عن اولغا وسوسان وعن راهبات المحبة ، ويحلل ويسمو في التحليل ثم لا يلبث ان يهبط ... ثم يبتعد ... ليعود يسألني بكل بساطة وسذاجة :
ـ هل تحب انت الانسة اولغا ؟.
ـ هذا تطفل منك يا جبران ؛ في صميم خصوصياتي !.. هل سألتك انا يوماً مثل هذا السؤال ؟... وبالحقيقة انا لا اعرف اذا كان هذا الذي اشعر به نحوها هو الحب الذي تعني ..
ـ الحب هو الحب يا يوسف ...
سكر يجري مع الدم في العروق ... وانواعه متعددة لا تحصى ، حتى انه يكاد ان يكون لكل انسان ولكل انسانة نوع خاص . تعينه الصدف والحظ ... وربما طول القامة ولون العينين !! صحيح ان الانسان لم يعد يعيش في المغاور والغابات .. ولكن حياته تطورت مع الزمن ، وهكذا تفكيره ... وكان للعامل الديني اثره الفعال ... وسن الكهان شرائع للحب تكرهها نفسي .. لانها مستوحاة من الجهل والكبرياء والظلم والعبودية .. فالمرأة المسكينة مضطرة للخضوع ... فهم لم يشاوروها غداة وضعوا الشرائع والقوانين ... في امر يهمها اكثر مما يهمهم ... ثم راحوا ينسبون شرائعهم للخالق ، والخالق براء منها ... لانها متى حللت وجدت بعيدة عن روح العدالة الالهية ...
كان جبران يتكلم بحماسة وتأثر كبيرين ... كأن الموضوع قد شغل باله طويلاً ... ثم عاد الى سؤاله :
ـ قل لي يا يوسف ماذا تشعر نحو الآنسة اولغا ؟
ولكي لا اصدّه مرة ثانية اجبت :
ـ انا اريد لها كل الخير .. والسعادة . لقد بنيت لها في اعماق قلبي مذبحاً ولا اريد تصديعه او هدمه .. حتى لو شاءت هي ذلك .. قال بنزق وقد ضاق ذرعاً بي :
ـ ومتى صرت تتكلم بالشعر ؟!.. فاذا كان الحب متبادلاً والمحبون احراراً .. فما الذي يمنع من ان يكونوا سعداء ؟؟
اجبته معترضاً :
ـ هل افهم من كلامك بانك على اتفاق مع الانسة سوسان بان الحب كشربة ماء ؟... كلا يا جبران .. لا
يمكنني البتة الارتياح الى هذا النوع من الحب الجسدي الاناني المبتذل ... شيء في اعماق قلبي يعترض بشدة ... اقوى من العقل والمنطق .. قل لي يا صاحبي . الى اي شيء ينتهي الحب اذا عريناه من جمال روحه ؟!
ـ جمال روحه ؟ قال جبران ضاحكا ، انت تتكلم كراهية محبة .. يبدو لي انه لا يزال في كيانك ترسبات فاعلة من الكهنوت !
صعد الدم الى رأسي لدى سماع ملاحظة جبران ، وشعرت بمثل الاهانة ... وكانت اول مرة يجتد بيننا الجدل الى هذه الدرجة .. لكنني بدلاً من ان اثور ، وليست الثورة من طبيعتي اعدت السؤال :
ـ الى اي شيء ينتهي الحب الذي تعني ؟ قل لي . اليس الى شيء زهيد حقير ، يكاد ان يكون عيباً وخجلاً ؟!.. فسألني بتهكم :
ـ والى اي شيء تريده انت ان ينتهي ؟!
ـ الى مرتبة عالية ... تسمو بالانسان الى مصاف الالهة . تمكنه من اكتناه اعمق المشاعر واروعها وتدفعه الى اجل الاعمال واشرفها ..
ـ كلام جميل ولا شك ، قال جبران بلهجة الطف .. سأدرس هذا الموضوع ، انه يستحق الدرس ...
ـ انت اكتب ... وانا اضع « الكتابة » في حيز العمل ..
هكذا انتهى الحديث بيني وبين جبران دون ان يتأزم الخصام عن « كيوبيد » إله الحب ابن « الزهرة » المحبوبة .. ودون ان نصل الى قرار متفق عليه ... في هذه الموضوعات يكاد يكون لكل انسان رأيه .
