كان محصول شهر آب من الاحداث الدولية ، ما فاق باهميته غلة السياسة في اي شهر من اشهر السنة الجارية . واذا كانت قضية السويس ، بعد العدوان المثلث على مصر ، قد ركزت بعض الشيء ، فاستعادت مصر نشاطها السياسي والتجاري مع الغرب ، وخاصة مع بريطانيا وفرنسا ، اللتين تفاوضتا الحكومة المصرية ، حول اعادة العلاقات معها ، فان انباء المؤامرة التي اعلنت خطوطها وملابساتها ، الحكومة السورية ، في بيانات رسمية ، اتهمت فيها الحكومة الاميركية ، بانها الرأس المدبر لتلك المؤامرة ، قد قلبت الاوضاع ، بعد ان كادت تستقر ، رأساً على عقب . فدمشق ، سواء كانت جادة او غير جادة ، في اتهام الولايات المتحدة الاميركية ، بتدبير مؤامرة عسكرية ، لقلب نظام الحكم القائم الان في سوريا ، قد نحرت علاقاتها ، من كل نوع ، مع حكومة ايزنهاور ، في الدرجة الاولى ، ومع حكومات الغرب في الدرجة الثانية . غير ان المراقب الدبلوماسي ، لا يستطيع ان يمر بسرعة ، بانباء دمشق ، حول ما اسمته مؤامرة اميركية على الاوضاع السائدة فيها ، قبل ان يلقي نظرة ولو عاجلة ، على محاكمات القاهرة ، لثلاثة عشر متهماً سياسياً مدنياً وعسكرياً بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم الحالي ـ قالت القاهرة انها ايضاً بتدبير من الحكومة الاميركية بواسطة سفيرها في القاهرة ـ فهل من علاقة بين المؤامرتين ، ام انها جاءتا وليدة المصادفات ، التي كثيراً ما تحمل في طياتها من عالم الغيب ما يعجز الانسان عن التحليل والتعليل . ولعل الايام القليلة المقبلة ، ستسفر عن اشياء ما تزال مجهولة هي في الاساس علة وسبب لكل تساؤل حول هذا الموضوع .
ولكي نلقي ضوءاً على هذه الملابسات سواء في القاهرة ، او في دمشق ، يجدر بنا ان نذكر هنا ما قاله المعلق الدبلوماسي لمراسل الديلي تلغراف : « اما مغريات موسكو لسوريا ، فلا تعدو كونها المال لمشاريع الانماء ، وجل ما في الامر ، هو ان خروشوف كان اسخى من البنك الدولي المقتر ، ومن الحكومات الغربية المتصلبة في مساوماتها . وهذا يعني ان الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين ، لم يدركوا بعد الاساليب التي تلجأ اليها موسكو ، لاغراء الدول بصداقتها والتعامل معها .
ونرى من جهة اخرى العراق والاردن والسعودية ، تشعر بالقلق ازاء هذا الوضع الراهن في الشرق الاوسط فالملك سعود ، استدعى سفيره في دمشق واطلع منه على حقيقة الموقف في سوريا ، والملك حسين ، طار الى انقره ، حيث اجتمع مع الملك فيصل ، وتداول معه في وضع البلاد العربية ، على ضوء ما يجري حول العراق والاردن . وقد تردد اخيراً ، ان مؤتمرا سيعقد في احدى العواصم العربية ، يضم اصحاب الجلالة : سعود وفيصل والحسين ، والرئيس شمعون ، ليدرس الموقف الراهن .
وعلى كل حال ، فان الشيء المؤكد في الشرق الاوسط هو الشك العصبي من كل ما يبدو شبيها بالتهجم على الاستقلال العربي .
اما النجاح في الشرق الاوسط ، فسيكون حليف اولئك الذين يعملون لارضاء الرغبات والمطامح العربية الاصلية وليس ضدها ..
وفي المجال الدولي ، كانت قضية ثورة عُمان من ابرز المشاكل التي عرضت على مجلس الامن الدولي ، ولم يبد رأيا فيها ، بسبب تكتل الدول الغربية ، ضد الكتلة العربية الاسيوية ـ الافريقية التي طلبت عقد اجتماع طارئ لمجلس الامن ، للبحث في تدخل بريطانيا في شؤون السلطنة والامامة ، والطلب الى الحكومة البريطانية بسحب جنودها من مسقط وعمان ؛ غير ان الدول التي تبنت قضية عمان ، قد تكون عازمة مرة ثانية على اثارة هذا الموضوع .


