امل يتحقّق ! ...
الآنسة فكتوريا خزامى تجمع التبرعات لتحقيق المشروع
لباريس وجوه متعددة تعبر عن تيارات ثقافية متباينة العهد واللون ، اذ فيها تمركزت الحيويات الفرنسية من روحية وادبية وفنية ، وفيها تفاعلت ثقافات العالم المتمدن فجاءت عالماً جامعاً شاملاً يضم بين جانبيه بدع التاريخ وقد نقشت رسومه بانسجام الفن الرفيع وقيم الجمال الخالدة ووعي العقل المنطقي السليم .
ومن اطرف هذه الوجوه المدينة الجامعية التي تسمى بالـ (Cité Universitaire) ملتقى الطلاب والطالبات من مشارق الارض ومغاربها ، يفدون باريس طلبا للعلم والفن ، والتمرغ باجوائها الروحية والمادية ..
تقوم ابنية المدينة الجامعية في احدى ضواحي باريس على هضبة مظللة بالاشجار الباسقة ، وقد اشيد كل بناء باسم دولة خاصة يجمع بين جدرانه طلاب تلك الدولة ، فهناك البناء الالماني والبناء الانكليزي والاميركي والارمني وغيرها من الابنية التي تجمع ضمن اطارها الشعوب على مختلف اجناسهم ولغاتهم ..
وفي وسط تلك البقعة من الارض يرتفع قصر مشترك يسمى بالجناح الدولي يجد فيه الجامعيون مطعما بثمن معتدل ومكتبة للمطالعة وصالات للاجتماع ، ومسرحاً للتمثيل والسينما ، ومركزاً ثقافياً دولياً له مجلته يقوم بتحريرها طائفة من الاساتذة والطلاب كما يجد الطلاب في هذا البناء المركزي غرفاً للرياضة البدنية وساحات وافرة للالعاب المختلفة في الهواء الطلق ..
ويشرف على هذا الجناح الدولي موظفون اداريون من بينهم سيدة رافقت المدينة الجامعية منذ تأسيسها هي الآنسة « جان توما » (J. Thomas) تؤمن رابطة الطلاب الجامعيين عاملة بمنشوراتها على الاتصال الدائم بين الطلاب الحاليين والسابقين الضاربين في جميع اقطار المعمور ..
وقد تم بناء هذا الجناح بفضل المثري الاميركي الكبير « روكفلر جونيور » على غرار القصور التي تبرع بتشييدها في نيويورك وشيكاغو مما يسمى عند الاميركان بالـ (International house) ..
ويعود تأسيس المدينة الجامعية الى الحقبة التي تلت الحرب العالمية الاولى يوم اخذت الانسانية تفتش عن مخرج من المجازر البشرية وعن سلم دائم ، ويوم اخذت الفئات المثقفة الواعية تسعى وراء المثل العليا والعلاقات الدولية الصحيحة لعلها تجد فيها حلاً يردع البشرية عن غيها واسترسالها في تيار الحروب المخيفة .. ففكر يومذاك السيد « اندره أونورا » احد وزراء المعارف الفرنسيين بتأسيس المدينة الجامعية لتكون اداة للتفاهم والتقارب بين شعوب العالم ، وطلب الى جامعة باريس ان تؤيد فكرة تملك تلك الارض من المجلس البلدي ، فكان له ما رغب ..
وكانت النواة الاولى للمدينة الجامعية ثمانية ابنية تبرع بتشييدها المثري الكبير « إميل دوتش دي لامورث » في سنة ١٩٢٢ وفتحت ابوابها للطلاب الاجانب .. وتبعه المحسن البلجيكي الكبير « بيرمانس لا يوز » ببناء جناح مؤلف من ٢٧٥ غرفة للطلاب البلجيكيين ، والمحسن الارمني الكبير « نوبار بوغوس باشا » ببناء خاص بالطلاب الارمن ، والسيدة ناتان الانكليزية ببناء لطلاب بريطانيا وهلم جراً ..
وقد اصبح عدد الابنية خمسين ، قام بتشييدها انصار الادب اما افراداً كما ذكرنا او جماعات بواسطة الجمعيات الثقافية في مدينة باريس ، وقد قدمت الحكومات احياناً منحاً مالية كمساعدات للمؤسسات التي سعت في تحقيق مشروع البناء وقلما قامت الحكومات منفردة بتشييد الابنية بنفسها ..
وللمدينة الجامعية نظام خاص بها ، فهي مستقلة كل الاستقلال عن اي جهاز حكومي ، تدير شؤونها مؤسسة وطنية تحت اشراف جامعة باريس ، ويرأس مجلسها الاداري شخص معروف من رجال العلم او الادارة المتقاعدين ، وقد عهد المجلس ادارة المدينة الجامعية الى عميد اوحد يتمتع بكافة الصلاحيات وهو على اتصال دائم بمدراء بقية الاجنحة ...
وقد رأت الجمعية الثقافية اللبنانية الفرنسية التي تأسست في باريس في سنة ١٩٤٨ بجهود نخبة من رجال العلم الفرنسيين امثال لوي ماسنيون وبلاشير وبعض الاساتذة اللبنانيين الذين قصدوا يومئذ باريس للتخصص والدراسة - رأت هذه الجمعية انه من الموافق جداً ان تسعى لبناء بيت يضم طلاب لبنان القائمين في
