رأيت في الحلم أني متّ الميتة التي احلم بها . لقد انطفأت روحي في الجسد كانطفاء السراج الذي نفذ زيته وذاب نوره من غير حس ولا حركة . وصعدت الى خالقها طليقة مستبشرة ، واستطاعت ان تقف امام صاحب العرش وتخاطبه متوسلة : « ما دامت الحياة الانسانية تنتهي بفاجعة الموت ، ألا يمكن لهذه النهاية ان تجري على غير الطريقة الدرامية المعروفة ؟ الا يستطيع الانسان ان يموت كما تموت الازهار ، من غير عذاب المرض وألم الاحتضار ؟ »
فعبث الباري تعالى بلحيته الطويلة البيضاء وقال : « إنك من شعب غير حربي ، لم يتعود الصبر على الالم . »
اجابت روحي : نعم اني من شعب لم يخض غمار الحروب ، لكنه احتمل ألم العبودية وصبر عليها طويلاً ولم يَثُرْ . وفي رأيي ان واجب الانسان ان يثور على الالم مهما كان نوعه ، جسدياً ام نفسانياً . »
فتابعت روحي الجدال قائلة : « ان الالم مفيد اذا كان مثيراً للكفاح . ولكن ما فائدة ألم المريض والمحتضر ؟ »
فاجاب الخالق : « ان ألم المريض حافز له ولغيره على مكافحة مرضه . لقد تركنا للانسان حرية السعي ومهّدنا له سبل كفاح المرض والموت ، لكنه يلهو عن ذلك بخلق أسباب الموت . »
وعادت روحي تسبح على اجنحة الاثير . فخطر لها ان تجتاز الستار الفضي وتهبط الى حيث تركت جسدها مسجى على السرير الخشبي الموضوع في غرفة النوم . فرأته معروضاً في باحة الدار ، والنساء حوله متلفحات بالسواد ، جلوس يندبن ويقرعن الايدي والصدور . وتفرست في الوجوه الكالحة المغيّرة فاذا بعضها يصطنع الحزن والبكاء . والبعض الآخر يستوحيه من جو الرهبة المسيطر على المكان . فارادت ان تخاطب الجمع
المحتشد قائلة : « ما اشد ولعكم بالظهور ايها الناس ؟ تعرضون موتاكم كما تعرضون اثاث بيوتكم ... وان ولعكم بعرض دموعكم يضاهي ولعكم بعرض ثيابكم ، ويجاري حرصكم على اخفاء عيوبكم وكتم علمكم واعماركم ! ألا بئس الحياة المزدوجة التي تحيون ! »
لكن احداً لم يكن مستعداً للاصغاء فقد شُغِلَت بعض النسوة بمعاينة افواج المعزّين والمعزّيات الذين تدفقوا على المكان . وغرق فريق آخر في حديث الاستفسار عن اسباب الموت ومقدار التركة وكيفية توزيعها ، او تناولن اخباراً محلية لا علاقة لها بالموضوع . وبدخول بعض النساء اللواتي تربطهن بالفقيدة صلة الدم ، ارتفعت اصوات النائحات والمعدّدات وتوالى الشهيق والنحيب وتصعيد الزفرات ، حتى تحولت الباحة الى شبه ساحة حرب عقيب المعركة ، انتثرت فيها الاشلاء وارتفع الانين ، واطلت عليها من كل جانب ارواح الموتى الغابرين .
« لِمَ البكاء ؟ » قالت روحي تخاطب النسوة . « اذا آمنتن بحياة بعد الموت - وذلك ما ترمز اليه صلواتكن وجنازاتكن - فخيرٌ لكن ان تحبسنّ الدموع وتظهرن الفرح . لان الفقيدة ، وهي بلا شك من المؤمنات ، قد انتقلت من دار الفناء الى دار بقاء ، من وادي الدموع الى جنة الخلود . اما اذا اعوزكن الايمان ، فالفرح ايضاً أولى بكن ، لان الموت راحة وانطلاق من ربقة الشهوات وشرور الدنيا وامراضها . انكن تشتهين الاطفال وتنذرن لاجلهم النذور ، وما يدريكن ما عدد الفتيان والفتيات الذين - حين ذاقوا العيش - ودّوا لو لم يولدوا . كم من هؤلاء المولودين يُحسَب عدمهم خيراً من وجودهم ! »
لكن همسات روحي ضاعت في الجو الخانق الذي خيم على المحتشدين . وانطلقت روحي من مكان ظنّته جحيماً . وراحت تحلّق في اجواز الفضاء حتى تراءت لها بعض الاحراج الكثيفة البعيدة عن المدن والقرى . ولمحت من خلال الاشجار وعلاً منطرحاً عند جذع شجرة يلفظ انفاسه الاخيرة متطايرة في الهواء . لقد فني كما تفنى الحشائش وتتساقط الاوراق . وها هو ينتظر العودة الى امه الارض ليخصبها برفاته ، فتنبت على اصوله المتفسخة اشجار وازاهير بديعة المنظر . ها هو يتلاشى من غير نأمة ولا جلبة وينضم الى الطبيعة الساكنة التي تخلق الطبيعة المتحركة وتجدّدها وتنميها . فراقها هذا المنظر الطبيعي