الهاديء ، وعادت الى حيث فارقت النسوة الصاخبات المتلوّيات من الهياج والصياح ، تودّ ان تروي لهن ما رأت وتلقي عليهن درساً في سعة الصدر . فما راعها الا موكب يؤلف وجمع يتألب وسُرج توقد وشموع تُرفع . وكهنة جامدو النظرات في ملابس متهدلة سوداء ، يتهادون مترنمين باصوات رتيبة كئيبة تبعث الرعب في النفوس . ويتهادى النعش وراءهم مترنحاً مضطرباً ، والناس حوله شبه مذعورين وفي وجوههم قلق وانقباض كأنهم في موكب يوم الحشر .
فأشاحت روحي بوجهها متألمة وهتفت بالناس بصوت لم يسمعوه . « خلوا عنكم هذه المظاهر التقليدية ايها الناس ! لقد استعبدتكم عادات بالية اسوأها الولع بتهويل الاشياء وتعظيم الاحداث والقاء الرعب في النفوس . تحيطون الحوادث التي تجري كل يوم باطار من الهول ينسجه خيالكم ، كأنما يحلو لكم التلاعب بعقول السذّج واستغلال اوهامهم وانفعالاتهم . ايها المتزعمون الذين اقمتم ذواتكم حراساً للخرافات وحفظة للاضاليل . متى يأتي المصلح الذي يهدم بمعوله حصونكم ويزيل عن العقول اغشية الجهل والغباوة ! »
وضاع صوت نفسي في الاثير حين ارتفع صوت خطيب فتى وقف في الجمع واعظاً مؤبناً يردد عبارات فخمة رنانة شنّفت آذان السامعين واذهلتهم عن معانيها المبتذلة الجوفاء .
وهمّت روحي بأن تسكّته واقتربت لتضع على فمه اصابعها الخفية . لكنها وقد رأت حوله الجو مكهرباً خافت ان يحدث ما لا تحمد عقباه .

