لن احرك يدي ، ولن التفت الى يدي ،
فعلى يدي اليمنى ، تدوي ذبابة ، اظنها سوداء هزيلة ، لهذا منحتها فرصة تبتز فيها غذاء ، من تحت الجلد الفاتر ... وفجأة .
هربت الحشرة ، فنقل نظري . وانتفضت عروق يدي . وترامى انتباهي يتكدس في نقطة بيضاء على الارض ثم رق السكون ، وشف ، ورهف ، الى ان سمعت حفحفة اجنحة الذبابة بزجاج الشباك ، وحطها على الخشب ، وطنينها الحاد ، وهي تحاول الافلات من الزاوية وتحليقها الزائغ في السقف . وعودتها الى يدي : فسرت في ذراعي كله رجفة صقعة !
مشى الصقيع ببطء في ذراعي ... تاركاً في الاصابع شللاً اصفر . مسننا الزغب الذي شقرته الشمس وسودت البشرة ، اسلاكاً براقة ، تدمي اللحم وتزيده انتفاخاً . احس بخدر تحت الاظافر ... الخدر يتسرب ، ويتسرب ... الخدر لذيذ تولده ارجل الحشرة في تنقلها على ذراعي ... الخدر لذيذ جداً ... جداً ... وصل الخدر ، للحظة ، الى انفي ، فاتسعت فتحتاه ، تمجان هواء كثيفاً ، يتجمع رماداً في الفضاء المقيد ... فاذا يدي عالم للذباب مستقل ، بعيد ، لا احسه !
واذا انا ، في عالم آخر ليدي : مد شاب يده يصافحني ، شاب احتك به كل يوم ولا اراه ، ومددت يدي .. فغافلني ينحني بعجلة ليلصق شفتيه الغليظتين على وجه يدي ، وليضرم فيها حريقة هائلة ، فزجرت في دوامة استغرابي :

فزجر بدوره يناغي الاماني : يدك تحفة رائعة . هكذا اراها . هكذا اقدرها . هكذا افكر بها ... هكذا ..
خجلت للاطراء ، وصورتي تتراقص في حدقتي عينيه ، حيناً عارية .. وحيناً مستترة .. وبحركة سريعة ، خبأت يدي خلف ظهري ، وحككتها بالحائط البارد ، اطفىء اللهب فيها ، وابعثر
دخاناً ... ثم بسطتها امامي انفخ عليها، ابيد عنها لوناً احمر ، والمأ عنيفاً !
وانزويت زمناً ، استمتع بنشوة الغرور الطفلة التي تذوقتها ، فبدأت احرص على تدليل هذه اليد ، فاغرقها دوماً بالكولونيا ، واقلم اظافرها ، واصبغها بلون منثوري ، يربطها بريقه بالشفتين .
واذا هي ، تفرض علي تصرفات . وترسم لي دروباً . وتزيدني نقمة على هذا الذي لم يفهمها يوماً ، فلم يصلي لها وحدها : لا ، للنهدين . للشفتين ، للساقين ... للعقل .. للمعتقدات . للمجتمع . للجبن . للانانية ...
الى هذا الصباح ،
كنت متمادية في اعتزازي بها ، تمنحني اثباتات قيمة ، على اني اصبح لا اكثر من الاهمال .
وهذا الصباح ،
استدعاني رئيس الدائرة ، وقذف في وجهي تأنيباً ، لانني لزمت الفراش طوال عشرة ايام ، مريضة بالانفلونزا ، فتأخرت بعض الاعمال .. وألح ، يريد مني جواباً :
ومن يمرض بالانفلونزا اكثر من يومين ؟
أكلني الغضب ، فلم اجب !
ولم ينج من غضبي ، الا يدي اليمنى : تمثال يدور ... ويدور ، راسماً كلمات . مرتباً مشاريع قوانين . واسباب موجبة . وتقارير لجان . وبرقيات تعزية ، او تهنئة . وعرائض . واستجوابات ... ويدي تدور ، وتدور .
وجلسات تتالى . وقوانين ترسم . وشعب ينغل متربصاً ، خلف عتبة بيته
