«بيليتيس» شاعرة فينيقية عاشت مطلع القرن السادس قبل المسيح على سفح جبال طوروس حيث كثرت الغابات. كانت فتاة قروية ترعى خرافها وتغزل الصوف وتلهو أيام الصحو مع رفيقاتها في الحقول.
في السادسة عشرة من عمرها، هاجرت بيليتيس إلى ميثيلينا قبالة شواطئ آسيا، وفي هذه المدينة عاشت الشاعرة عيشة غانية متهتكة، لكن مجتمعها في ذلك العصر لم يكن ليدين سلوكها بالقسوة التي نحكم نحن بها اليوم على معاشرة الجنس لجنسه.. وقد تركت لنا بيليتيس الأغاني الرائعة عن صغيرتها الجميلة منازيكا التي بادلتها الحب عشر سنوات.
والمرجح أن بيليتيس بعدما شاخت أحبت أن تغني لنفسها ذكريات طفولتها وصباها فتركت لنا مجموعة من روائعها اكتشفها الأستاذ هايم منقوشة على جدران قبرها ـ وقد ترجمها إلى الفرنسية وحقق في سيرتها المؤرخ الفرنسي بيير لويس عام ١٨٩٤، ونقل الكتاب إلى العربية شاعرنا «أدونيس» الذي تمكن برهافة إحساسه أن يرسم لنا لوحات نابضة عن حياة الشاعرة الفنانة... وهذه نماذج من أغاني «بيليتيس».
أنشودة ريفية
يجب أن نغني أنشودة ريفية، ونبتهل إلى الإله «پان»، إله ريح الصيف. أحرس قطيعي، ومثلي ترعى سيلينيس قطيعها، في ظل زيتونة تتمايل.
نامت سيلينيس على المرج واستيقظت: تركض، أو تبحث عن الجنادب، أو تقطف الزهور والأعشاب، أو تغسل وجهها في ماء الجدول الدافئ.
وأجترُّ، أنا، صوف الخراف الأصهب لأموّن مغزلي، وأغزل: الساعات بطيئة، وها نسر يمر في الفضاء.
الظل يتحوّل... فلنغير مكان سلة الزّهر، وجرة الحليب. يجب أن نغني أنشودة ريفية، ونبتهل إلى الإله، إله نسيم الصيف.
حديث أم
في العتمة تغسلني أمي. وراء الضحى تلبسني ثيابي، وتزين شعري على السراج. ولكن، حين أخرج في ضوء القمر، تشد زناري وتعقده عقدتين.
وهي تقول لي: «امرحي مع العذارى، وارقصي مع الفتيان الصغار... لا توصوصي من النافذة، واهربي من كلام الشباب، وشكي بنصائح الأرامل.
» ومثل الأخريات، سيأتي إليك أحدهم، ذات ليلة، ويأخذك في موكب عظيم من السناطير المدوية والمزامير العاشقة.
» ذلك المساء، عندما ستمضين، يا بيليتو، ستتركين لأجلي ثلاث قطع من القرع المرّ: واحدة للصباح، وأخرى للظهيرة، والثالثة الأكثر مرارة، الثالثة لأيام العيد.»
عابر السبيل
في المساء، حين كنت أجلس أمام باب البيت، مرّ فتى عابر. نظر إليّ، فأشحت بوجهي عنه، وكلمني فلم أجب.
أراد أن يدنوَ مني، فتناولت منجلاً، واستندت إلى الجدار، وكنت سأشق له وجهه، لو تقدم خطوة واحدة.
وحينئذٍ ابتسم وهو يتراجع إلى الوراء، وطيّر لي قبلة، قائلاً: «هاك القبلة!»، وصرخت، وبكيت... حتى لقد أسرعت إلى أمي.
كنت قلقة، كما لو أن عقرباً لدغني... وكنت أبكي: «لقد قبلني!».
وقبلتني أمي أيضاً، وحملتني بين ذراعيها.