مذكراتدوقة ونسور
يمر الربيع باكراً في منطقة « كوت دازور »، وقد بدأت ليالي الانتظار الطويلة تتلاشى شيئاً فشيئاً ؛ وانتشرت الأزهار في الحقول المترامية بضواحي « كان » وفي أوائل آذار كنت أعد العدة للزواج .
قررت ودافيد أن يكون الزواج في فرنسا ، لأننا نحب البلاد ، ثم لأن الفرنسيين لا يتدخلون في شؤون سواهم الخاصة ... وبقينا نخشى الصحافة وملاحقاتها ؛ والتي قد تقلب تلك اللحظة من حياتنا إلى جحيم ، أو إلى مظاهرة شعبية ، وهكذا رحنا نبحث عن مكان لا يصله المتطفلون ويكون في الوقت نفسه جميلاً ..
وهنا تقدم أصدقاؤنا ، وكل واحد يعرض منزله ليكون مكان الاحتفال، ووقع اختياري على « فيلا لا كرو » على بعد خمسة أميال من « كان » . والتي يملكها صحافي متقاعد يدعى « برتون » ، وقد رضي بأن يؤجرنا المكان ؛ ولكن دافيد شاء أن يسأل أخاه حتى لا يؤذي سمعة الأسرة المالكة ... ورفض الملك أن يكون زواجنا على شاطئ الريفييرا الشهيرة بالمقامرة، وهكذا عدنا إلى قصر « كاندي » في قلب فرنسا؛ وسافرت في أول آذار إلى كاندي ، ترافقني العزيزة كاترين ، وقطعنا المسافة في فترة قصيرة ، ولكن العواصف والرياح لم تنقطع دقيقة واحدة ؛ وحين وصلنا كانت السيدة « بيده » زوجة صاحب القصر ، في انتظارنا عند الباب ... وهي سيدة أنيقة ، تتمتع بقسط وافر من الجمال الطبيعي الذي يخفي روحاً طيبة ؛ ولم أتوقع أن يقدم امرؤ لطفاً وافناً لأناس يجهلهم تماماً كما فعلت تلك السيدة ؛ ولكن قدومنا كان مصيبة على البيت وأصحابه ؛ فقد استلم زوجها ، بعد فترة ، مذكرة تفيده بأنه اقترف خيانة بحق بلاده ...
طافت السيدة « بيده » معي في باحات القصر، وعرفتني إلى المكان الذي سيكون مسكني في الأيام المقبلة؛ وبعد أن أنهت طوافها تركتني وذهبت لتستعد للعشاء .
استلقيت فوق السرير ، استريح من تعب الرحلة وافكر بالأشياء الكثيرة التي تنتظر التنفيذ؛ أين سنبدأ حياتنا الزوجية ؟ ماذا نصنع بالأشياء المتروكة في بريطانيا ؛ وهل هناك مجال لأن يتصافى دافيد مع أسرته ؟ وماذا نفعل بالصحف وتعليقاتها على زواجنا ؟ ثم جاء السؤال الأعظم : من سيجرؤ على مباركة زواجنا ؟
ينص القانون الأفرنسي بأن يكون هناك زواج مدني إلى جانب الزواج الكنائسي؛ وكان سهلاً أن تنفذ الزواج الأول، ولكن دافيد يفضل أن يكون زواجنا في كنيسة؛ فهو متدين، وكان نادماً على أن زواجه لن يكون في كنيسة أجداده ، ليتقبل بركتها .
أمور كثيرة راحت تترأكض في مخيلتي ، وصعب عليّ أن أجد حلاً لأي منها ... في غمرة هذه الأفكار ، سمعت جرس « التلفون » ثم صوت الخادم يقول : جلالة الملك .. وهرعت أمسك السماعة، وجاءني صوته عبر القارة الأوروبية، جاء قوياً، عذباً فمسح خوفي وحيرتي وسمعته يقول : هل أنت بخير ؟ وهل كانت الرحلة متعبة ؟
كانت الفترة التالية مملوءة بالعمل والمسؤولية، وكان عليّ أن أستشير دافيد في كثير من الشؤون التي لا تفض بواسطة الهاتف ، وبعد أن سأل مستشاريه إذا كان بإمكانه أن يزورني ، رفضوا على اعتبار أن الزيارة قد تعيد سير الطلاق . وبقي لي كاترين وهرمان ، اللذان لم يفارقاني لحظة واحدة ..
وعادت الصحافة تضرب حصارها حول القصر ؛ فلم يسمح المراسلون لأحد أن يدخل ويخرج دون أن يسألوه ويراقبوا حركاته ... وأطل الربيع على تلك البقعة، وبدا القصر والحدائق في أبهى حلة ، ورحت استمع إلى نساء الطبيعة ، واستمتع بزقرفة العصافير ، وكثيراً ما كنت أسير فوق الطرق المتشعبة أو العب « الغولف » مع الصديقين المخلصين .
تبدو هذه حياة ممتعة لأي إنسان ، لكنها كانت ، بالنسبة لي ، فترة تمر دون أن يسجلها التاريخ ! ... وقد يكون دافيد شعر بالوحدة التي تأكل قلبي ، فكلمني ذات مساء ، وأنبأني أنه سيرسل لي كأي « سليبر » ليسليني؛ وبعد يومين، وصل « سليبر »
