كان الشتاء على اشده في دمشق وكانت شوارعها تعبق بروائح اللحم المشوي ودخان فحم مدافئها يزكم انوف المارة، كما ان طبقة كثيفة من الوحول كانت تغطي ارض شوارعها المرصوفة بالاسفلت والاحجار في الاحياء الحديثة والقديمة. وفي احدى لياليها الماطرة عاد ابوصياح الى منزله وكاهله مثقل بالهموم على غير عادته.
لم يكن ابو صياح الا سائقاً لسيارة مهترئة كان يرابط بها في ساحة المرجة عند ملتقى الاحياء القديمة بالاحياء الجديدة حيث تحتك المدينة الحديثة بمدينة الازمنة الغابرة. وكان في اليوم السابق قد اشترى من احد ابناء البادية السورية زوجاً من الدواليب لسيارته ولعل البدوي جلب الاطارات من شرقي الاردن عن طريق التهريب. وكان الثمن الذي دفعه ابوصياح عالياً جداً، الا انه كان مضطراً لعقد الصفقة حتى يتمكن من تشغيل سيارته لاعالة زوجته وولديه. لقد دفع ثمن الاطارين الفين وخمسمائة ليرة سورية وكان يشعر بغصة في حلقه كلما خرجت من يده الى يد الشيخ رزمة من الاوراق النقدية. فكان يبلع ريقه ويعض على شفتيه كأنما الله. فمن كان يحلم بان ترتفع الاسعار الى هذا الرقم الخيالي؟ ٢٥٠٠ ليرة ثمناً لزوج من الاطارات ولكن هي الحرب...
اطبق ابوصياح باب مرآبه المتداعي
ودخل الى بيته الوضيع الواقع في اطراف حي الميدان. وكان الوحل يلطخ سرواله حتى الركبة. لقد كان يروح تحت وطأة الهموم، فأنى له ان يؤمن ثمناً لزوج آخر من الاطارات بدلاً من الاطارين القديمين اللذين لم يستبدلا واللذين كانا قد رقعا محلياً ولم يعودا صالحين ومأموني الاستعمال.
دخل ابوصياح الى بيته جاراً قدميه ومتعثراً في مشيته وقد ازداد وجهه تجهماً وانفه التواء وعيناه صغراً. كما ان وجهه الذي لفحته الرياح الباردة كان اشد اصفراراً من عادته.
واستقبلته زوجته الشابة بشعرها الاسود المسدول وبشرتها البيضاء وعينيها الناعستين متهللة باسمة فاجاب على ابتسامتها وهرع الى الداخل رامياً بجسمه المنهك على شبه اريكة نصبت قرب مدفأة الحطب وبدأ يفرك يديه محاولاً تدفئتهما.
كانت الغرفة صغيرة وضيعة الاثاث غطيت ارضها جزئياً بسجادة شرقية كثرت فيها الرقع والحروق، وفي الوسط قامت مدفأة الحطب السوداء جاثمة كالضبع الجريح. وارتفعت مداخنها الى ما تحت السقف متجهة بعدها بزاوية حادة مخترقة الحائط نافثة دخانها الى الحديقة المجاورة. وفي مقابل الاريكة صُفّت بعض المقاعد المصنوعة من خشب الصفصاف المحلي. وكانت الحيطان قد دهنت في احد الايام باللون الازرق
ولكن الدخان واصابع الاطفال قد غير لونها الى لون اسود رمادي وتدلى من السقف شريط انتهى بمصباح كهربائي قاتم اللون شع نوره سابغاً على الغرفة جواً مائلاً لمظهر كهف قليل الضوء. وعلى احد الحيطان علقت صورة رسمت بالفحم لابي صياح حين كان في زهوة الشباب، غير ان الفنان الذي رسمها بالغ في اطالة الشاربين حتى اصبحا وكأنها ذنبا عقرب.
وجلست الزوجة على الاريكة قرب زوجها واخذت تحيك كنزة من الصوف الرمادي لولدها الذي كان قد ذهب الى النوم مع اخته. وبادرت قائلة: «لعلك كنت موفقاً في يومك»؟ فاجابها ابوصياح بصوت جاف محاولا الابتسام: لا بأس، لقد ذهبت باحد الضباط في رحلة طويلة نوعاً وقد اعطاني على ذلك خمس عشرة ليرة دون ان اساومه كما اني ذهبت ببعض الصبيان والبنات الى دمر وتقاضيت على ذلك خمس عشرة ليرة اخرى، وقد جنيت خمس ليرات من بعض توصيلات قصيرة قمت بها في المدينة وبهذا يكون المجموع خمساً وثلاثين ليرة صرفت منها ما يقارب عشر ليرات ثمناً للبنزين والزيت وها هو الباقي. قال ذلك مشيراً الى محفظته السوداء الجلدية.
فتمتمت زوجته: «نعمة كريم».
غير ان ابوصياح تردد وتلعثم متمماً «ولكن»
ولكن ماذا؟
اجابت زوجته بقلق واضعة اصابعها البيضاء على كتفيه المتعبين.
اني مضطر لشراء اطارين آخرين لان الاماميين قد اصبحا في حالة رثة

