تأمين حاجته ، فقد كان الجنود يسيرون زرافات ، ولقد استوقفه عدد من المدنيين ولكنه لم يعر احدهم انتباها . ومر وقت طويل لم يحظ خلاله برجل عسكري يستطيع ان يفاتحه برغبته . وكان الجنود يخرجون من المسارح والمقاهي والمطاعم ويدخلون الى سياراتهم مبتعدين .
وطاف ابوصياح بسيارته سائر أبطه بين فندق الشرق والبرلمان وعائداً منها الى الساحة العامة ، وكانت ساعة محطة الحجاز تقرع دقاتها الاثنتي عشرة بينا كان الطقس يزداد برودة وكان المطر ينهمر بشدة وكأنه يعبر عن غضب الالهة فأوقف سيارته بالقرب من جسر فيكتوريا واشعل سيجارته وسرح في تأمل عميق . وقطع تأمله طرق على زجاج النافذة ذعر منه ابوصياح ورفع رأسه ليرى على الرصيف جنديين طويلي القامة . وقد وقفا ينظران اليه نظرة تهديد وفي فم كل منها سيجارة مشعلة ، وعندها خاطبه احدهما طالبا منه ان يسير بها الى محطة القدم .
وكان مظهر الجندي وصوته يدلان على انه ليس مخموراً . وهذا ما دعا ابوصياح الى استعادة هدوئه فابتسم وهز برأسه .
فقال له الجندي بلطف : « وكم تبغي على ذلك » ؟
« خمس ليرات سورية » اجاب ابوصياح فاتحاً اصابعه الخمسة في وجه الجندي وقائلاً في قلبه « في عيون الشيطان » .
هذا كثير ، فنحن لا نستطيع ان نعطيك الا ليرتين .
لا بأس ، اجاب ابوصياح فاتحاً باب سيارته وطالباً منها الدخول .
وفيما كانت سيارته تسير على الكورنيش في اتجاه محطة القدم قال احد الجنديين : ان سيارتك لعبة قديمة يا رجل فظهرت علائم الحزن على محيا ابي صياح وقال بأسف : انا اعلم ذلك ولكن الواحد منا يحتاج في هذه الايام لكثير من العناية حتى يتمكن من البقاء على سيارته بشكل تستطيع معه السير .
هذا صحيح ، فان الحصول على رغي اصبح في هذه الايام اصعب من الوصول الى جهنم . وعلم ابوصياح انها افضل فرصة ليتكلم عن اطاراته فتنحنح وخفف سير عربته وادار رأسه جامعا شجاعته وخاطبها بصوت واضح مفهوم : نعم يا سيدي انك على حق وان اعظم صعوبة تواجهنا في هذه الايام الحالكة هي ايجاد اطارات ، فلقد اصبحت نادرة جداً .
فجأة اندفع الجندي يضحك وقال :
- كم اتمنى ان اريك ما عندنا منها .
- اني لا اصدق ذلك اجاب ابوصياح .
وهمس الجندي في اذن ابوصياح قائلاً : يا ابله اتريد ان تشتري بعضها ؟ لكنني لا استطيع الان .
- في استطاعتنا ان نحضرهما متى تشاء قال العسكري ذلك وهو يهبط برقبته نحو اذن ابوصياح
وسأله ابوصياح : وكم هو ثمن الزوج
- خمسماية ليرة سورية .
غمر الفرح اباصياح ولكنه لم يكن ليرضى بالاتفاق قبل ان يحاول اشباع رغبته في المساومة ، خمسماية ليرة مبلغ كبير ، اليس في استطاعتك تخفيض المبلغ ؟
واجابه العسكري : انك رجل طيب على ما يظهر ولذا فانا مستعد لان
اتركها لك مقابل اربعماية ليرة فما قولك
وتنهد ابوصياح بارتياح وقال : اني اوافق ولكن متى استطيع الحصول عليها؟
- في اي وقت تشاء .
- الليلة ؟
- آ كلا هذا مستحيل اجعلها مساء الغد حوالي الساعة الحادية عشرة .
- واين ؟
- هذا عائد اليك .
فاندفع ابوصياح الى مقهى صغير في اطراف المدينة وقال مشيراً الى بناء الطين المتداعي : هنا سأكون في انتظارك في داخل هذه القهوة .
فقال الجنديان بصوت واحد «حسن جداً » .
وسار بها ابوصياح الى منطقة القدم وهناك حاولا ان يسددا له الحساب ولكنه رفض بادب وعاد الى امرأته ليحمل اليها البشرى السارة .
وفي الليلة التالية اوقف ابوصياح سيارته قبيل الحادية عشرة خارج القهوة ودخلها وثيابه تتصبب بمياه المطر وجلس بعد ان طلب فنجانا من القهوة ، وكان المقهى خالياً من الزبائن في تلك الساعة المتأخرة من الليل ولم يكن هناك الا صاحبها العجوز بطربوشه وشاربيه المتدليين وخاطبه ابوصياح طالباً منه ان ينسحب الى داخل المقهى حين يأتي الزائران .
ولم تمض فترة طويلة الا وشاهد ابوصياح الباب يفتح ويدخل منه جنديان وهما يدفعان اطارين جديدين بللا بالماء ولطخا بالوحول . وترك الجنديان الاطارين بين الطاولات ، ثم اغلقا الباب
