ام سمير دولاب يكرّ ويدور فتضج منه غرف البيت ! وهي ان جلست ففي جلستها استعداد مؤذن بالوقوف من جديد للحركة من جديد !
تحدث جارتها من شباك غرفتها ، وفي فكرها بائع الحليب المتأخر ، وموزع الخبز المحاسب ، وعودة الخادمة الطائشة من السوق ، وفي بالها ايضاً طعام الاولاد .. وقميص ابي سمير المرمي باهمال على جانب الكرسي .. ثم الطبخة على النار الغدارة ! واما جارتها فلا ترى امامها الا وجهاً مجاملاً مبتسماً يبادلها لطفاً بلطف ومديحاً بمديح !
رأسها كجّة هموم تتسارع فيه عمليات الحساب من طرح وجمع وقسمة .. لقد اتعبتها الموازنة الدائمة بين المدخول والمصروف وحيرتها تقلبات الاسعار التي تناسبها حيناً وتتحدى جيبها حيناً آخر !
مساء ام سمير هو فرحتها المألوفة .. اذ يقبل عليها الكل بعد عمل النهار .. فتقبل هذا وتنغل ذاك بفطيرة دسمة .. وتحمل الى ذلك المتأنق منشفة عطرتها شمس النهار !
كل هذا وام سمير عاتبة على رشاقتها .. تودّ لو تتجند وحدها في البيت للكدّ والتعب .
السأم لا يدخل يومها . فهو اضعف من عملها الثقيل وهو اخف ما يدخل بالها المكتنز . لغيرها الوقفة على الشرفة .. والجلسة المستلقية قرب المذياع ، والحديث الطويل مع المرآة ، والزيارات المنتظمة الى عند الخياط والمزين !
ملهم منظرها في مطبخها .. ترعى الطبخة بعينها وتتتبع حرارة الماء من فحيحها على النار وبيدها ترتب وتقطع وتغربل وتقيم وتقعد !
رفيق ام سمير في العشايا المتباطئة سنارتان تستعد بها لنوبات البرد ! خيوط الكنزة سميكة قوية لتطرد البرد وليطول عمرها فيلبسها الصغير بعد الكبير !
ام سمير آخر من يطفيء النور في البيت وقد اثقل جفنيها تعب عذب واستسلام مطمئن !
الخاتمة ...
وهكذا.. تواكب حياتي صور من النساء يجف بها فضولي وتتفتح لها كلتا عيني ما تبيّن ما اراه وما قد لا اراه ما اعرفه وما لا اعرفه ، ما عندي وما ليس عندي . وتبقى على افق مخيلتي صورة امرأة ، اخذت من امي قلبها ومن معلمي هدايتها ومن صديقتي وجهها الحميم ، ومن جدتي حديثها العالم ...
كانت في صغرها دمية تلاحقها القلوب وهي تضم بين ذراعيها الزهريتين دمية اخرى لا ترضى لها بديلاً . وسارت مع عمرها من مهد الى مهد ، يتفتح عليه كيانها فتهرع الى امها كل ليلة تخبرها بلهفة ... وتسألها : كيف ؟ .. متى ؟ .. ولمَ ؟
واستقبل الصبا تلك السنبلة الآمنة في عالم رحب . فيها كما قيل لها المناجل والمغريات والرغبات المتطاولة وفيه لا !!.. اكثر من نعم ! ولم يضحكها كل هذا بل ابكاها مرات ... بكاءً خافتاً شبّت معه نفسها . وذات يوم ، فطمت تلك النفس من ميوعة الاتكالية ليكون لها لونها ومقدارها .
لقد كانت بالامس طفلة امها .. واليوم صارت اختها تعيد اليها حنان البارحة المهدد ، تفهماً شاكراً ومواكبة وفية .
ليس كل ما حولها .. مريحاً مستحباً .. ولكنها مشت في نهج معتدل تساير درب عالمها فتتساهل مع سخافاته ، وتغفر عناد بعض تقاليده .. اذ تشدها اليه محبة متسامحة . انها لا تثور كلما صد امانيها رفض من هنا ونفي من هناك . ولا تستسلم لليأس المتراجع .. وكأنها تعرف ان في جيوب الايام دفقات متسارعة من التطور والتجديد ، وفيها انقشاع كيانها المنتفض !
حنانها الى القيادة كبير . فهي تصقل وتهذب وتبدّل المنظار . اما علمها فلم يكن مرة عرشها المترفع . انه مزين انوثتها وخادم رسالتها في الحياة .
هي تعرف ان قلبها يجب الا يفرغ من غزارة المحبة والحنان . كما تعرف ان مفتاح خيرها امومة حانية ضحّت في نفسها .. وتراقص لها قلبها حالما فارقتها الطفولة الساهية ونفخ فيها الصبا عبير التفتح !
الامومة حبتها التضحية .. وعلمتها الا تطفيء سراجها والا [...]

