كانت الدورة الرياضية العربية الثانية التي أقيمت في بيروت بين ١٢ و٢٧ تشرين الأول الماضي حدثاً تاريخياً هاماً، سبقته استعدادات هائلة انتهت إلى إنجاز المدينة الرياضية وهي أضخم عمل وطني عمراني أنشئ مؤخراً في لبنان، وتفضّل بشهادة العارفين، أرقى المدن الرياضية في العالم.
كانت المباريات في شتى الفنون الرياضية، والتي جرت بين تسع دول عربية مظاهر فخمة وعلى مستوى رفيع، ساعدت بالتالي على توطيد عرى التفاهم والمحبة بين مئات الرياضيين العرب، لولا مآخذ نحب أن ننوّه بها ههنا على سبيل النقد الإيجابي وحسب، لعل مثل هذه المآخذ لا تُرتكب في المستقبل، في دورة رياضية أو غيرها.
سجلت لجنة التنظيم على نفسها في حفلة الافتتاح فشلاً لا مبرر له، تجلى في تلك الفوضى الشاملة التي رافقت جمهور المدعوين في «هجومهم» نحو المدينة الرياضية، ثم في تبوّئهم مقاعدهم، فقد كان مشهد السيارات تزاحم بعضها البعض أشبه بيوم الحشر! ويا خجلنا من مئات المدعوين الرسميين والوجهاء، الذين ارتدّوا على أعقابهم بعد الجهد المضني الذي بذلوه للوصول، ذلك لأن أماكنهم كانت مشغولة حتى درجة الاختناق! وإننا لنتساءل كيف امتلأ الستون ألف مكاناً وأكثر بنصف المدعوين فقط؟ وكيف يجوز أن يدعى ضعف ما يستوعبه الملعب من الناس؟ وكيف سُمح أن يغصّ الملعب قبل موعد الافتتاح ببضع ساعات؟ وكيف توصل عشرات «النكرات» إلى مقاعد الشرف دون بعض الشخصيات المرموقة؟ ولماذا لم يوزّع عدد كافٍ من شرطة السير على طول الطريق المؤدية إلى المدينة الرياضية تأميناً للنظام؟
هذا فيما يختص بلجنة التنظيم، أما المأخذ الأخير، وهو في رأينا الأهم بينها، فهو قصر وقائع الدورة الرياضية على الذكور دون الإناث - اللهم عدا الحركات الإيقاعية والرقصات الشعبية التي أدتها بمهارة في حفلة الافتتاح ٥٥٠ طالبة. فكأن البلدان العربية، بإقصائها العنصر النسوي عن المباريات، إنما تسجّل على نفسها تأخرها اجتماعياً ورياضياً معاً. وكان بوسع بعض الدول، ولا أقول كلها، أن تقدم فرقاً من فتياتها، في بعض الألعاب التي برعت فيها المرأة العربية والتي لا مانع فسيولوجي من ممارستها إياها.
يرجع إسهام المرأة الغربية في الدورات الرياضية الدولية إلى ربع قرن، فهل نرضى نحن أن نعترف بأننا في هذا المضمار خلفهم بأكثر من ربع قرن؟!
عندنا في لبنان وعند بعض شقيقاتنا الدول العربية فرق نسوية رياضية منظمة لألعاب الخفة والسرعة والمهارة، وقد سبق لبعضها أن اشتركت بنجاح في مباريات رياضية دولية، فعسى يتدارس المسؤولون من الآن قضية إسهام الفرق النسوية في أولمبياد دول حوض البحر المتوسط الذي سيقام أيضاً في مدينتنا الرياضية بعد سنتين، ليبرهنوا بأننا لسنا بعيدين عن روح العصر الذي يساوي بين الجنسين.

