وكعادتي كل صباح ، ذهبت لعند جبران . حيناً نشتغل ونحلل أمور الحياة ، وحيناً آخر أتركه يعيد على مسمعي بعض ما يدور في رأسه ، وما في نيته أن يكتب ، ولو خطر لي ، آنذاك أن أسجل كل ما كان يعنّ على بال جبران لبلغ مجلداً ضخماً - كله ممتع والكثير منه لا يزال في طور التكوين . مثال ذلك :
- عندي شيء أريد وأود أن أقوله ، لكن الكلمات لا تنقاد لإرادتي . في داخلي شيء هائل ، ما أدري أهو شيطان أم ملاك - روح قوية تحاول ...
وقبل أن ينهي كلامه أقاطعه أنا قائلاً :
- يا حبذا يا جبران لو حاولت أن تضحك ... أخشى أن تكون مطالعة نيتشه قد استهوتك وأثرت عليك . أنا لا أذوق هذا الفيلسوف العابس الذي انتهى إلى الجنون . أعجبني تحليل ليله ، قالت : إن حدة نظراته لم تكن توحي السعادة في الحب ، ولو ضحك لربما كانت «لوسالومه» غيرت رأيها ولم تؤثر الزواج من غيره . فقال جبران :
- أراك تتكلم عن الحب كأنك خبير . فقط عندما تكون المسألة متعلقة بغيرك . لكن عندما تكون أنت البطل ... تتظاهر بالجهل أو تتجاهل ! لقد أكدت لي سوسان أن أولغا تكاد تضيع رشدها ، وأنت لا شفقة ولا رحمة ! ..
- هل هي مؤامرة عليّ بينك وبين
سوسان ؟ إذا كانت الآنسة أولغا تكاد تفقد رشدها فالمسألة بسيطة . ما عليها إلا مغادرة باريس . يؤلمني أن أراها تهمل دروسها ، أما أنا يا صديقي فأؤكد لك أولاً وآخراً ، أنني لست ميالاً إلى مطالعة أو تمثيل الروايات لا سيما القيام بدور « بطل الرواية » .
- نحن يا يوسف دائما نلعب دور بطل رواية ، سواء شئنا أو لم نشأ .
- على كل حال ... لقد عادت من زمان ، مياه السين إلى مستواها الطبيعي ولم تعد غرفة الآنسة أولغا عرضة للعفن والرطوبة .. ولذا ففي الإمكان إعادة البيانو إلى حيث كانت أولا . أنت يا جبران كنت السبب في مجيئها لعندي ، فتفضل اسع بإرجاعها .
وكنت جاداً فيما قلت .
بعد السهرة في مقهى «الدوم» عدت إلى محلي حوالي منتصف الليل ، فلم أجد البيانو ، بل وجدت على الطاولة مكتوباً بأربع صفحات ، آسف لأنني لم أحتفظ به . أدرك الآن بعد فوات الأوان ، كم كان فريداً ، وكم كان ثميناً ذلك المكتوب ، كله شواهد وحجج فلسفية علمية منطقية مفادها أن المرأة الحرة في أن تنجب ولداً من رجل تختاره ويملأ عقلها وقلبها .. وأن والدها متفق معها في هذا الرأي وأنها قد وجدت ذلك الرجل فيّ ، ولكنها لم تجد في نفسها الشجاعة الأدبية والجرأة لمكاشفتي صراحة في الأمر فعمدت إلى الكتابة . وأنها ستأتي في الغد لتأخذ الجواب . وختمت الرسالة على هذا النحو .
أرجوك يا صديقي إذا كنت لا تجاريني فيما أريد ، وإذا كنت تصر على رفض طلبي ، أن تبين لي سبب ذلك ، وأن تعمل بوحي عقلك الراجح وقلبك الكبير كي لا أضيع اعتباري لك ...


