
ولذاتي .
وقع علي كتاب الآنسة اولغا وقوع الصاعقة ، وكان امامي الليل بطوله للتفكير ولتحليل الموقف ودرسه من جميع نواحيه . ولاول مرة في حياتي اذكر اني لم اعرف النوم طوال الليل وهذا ما ساعدني على الاصغاء الى صوت الشعور الداخلي - صوت الضمير - وانتهيت قبيل الفجر الى قرار نهائي ، بأن احافظ على المذبح الذي بنيته لها في اعماق قلبي . واطمأنت نفسي الى هذا القرار ، وتراءى لي ، على قسوته ، اجمل بكثير من لذة وقتية زائلة . نعم ! سأعمل كما ارادت هي ، كي لا اجعلها تضيّع اعتبارها لذاتها ولي ... وايضاً لكي لا اضيّع انا اعتباري لنفسي .
جاءت الآنسة اولغا في الغد ، على فمها بسمة فاتنة كانت قد فقدتها في الاونة الاخيرة ، وادركت من نظرتها الاولى اليّ اني ارفض طلبها . وافهمتها بانني افعل ذلك محافظة على اعتبارها وصيانة لمستقبلها ... ثم ابديت لها رغبتي في مساعدتها على اجتياز الازمة النفسية واستعدادي لبحث ذلك ولقرن قولي بالعمل ، لكنها التفتت اليّ وخاطبتني بهدوء وبرباطة جأش قائلة :
- اشكرك يا صديقي ، ان امتعتي في النزل جاهزة . سأترك باريس في الحال ... دعني اذا شئت اطبع على جبينك قبلة الوداع !
هكذا ، وفي منتهى البساطة تركتها تقبلني وتذهب ، وكالمشدوه وقفت في النافذة اراقبها تستقل السيارة وتبتعد ، حتى غابت عن عيني في حنوة الشارع . عندئذ فقط ، ودون ان يكون لارادتي
رأي ، جلست على الديوان حاملاً رأسي في كلتا يدي ، وكالطفل الصغير استسلمت لنوبة حادة من البكاء ، لا ادري كم ذرفت خلالها من الدموع .
خلافاً للمعتاد ، لم اذهب لعند جبران ذلك الصباح . لقد اصابتني ، بعد انصراف اولغا على ذلك النحو ، حالة من السويداء ، فكأن يداً قوية اعتصرت قلبي . قبيل الظهر طرق الباب ، ولم يكن الطارق سوى جبران نفسه ! جاء يتفقدني ويستعلم عن سبب غيابي . دخل يعكز على عصاه وحدق طويلاً في وجهي قبل ان يسألني :
- لماذا عيناك حمراوان يا يوسف ؟
- امس طوّلت السهرة ، اشتغل في ترجمة جحيم دانتي .
- هذا غير صحيح ! متى تعلمت الكذب وعهدي بك صريحاً لا تحكي الا الصدق حتى على قطع رأسك ؟!
وقبل ان اجيبه مد يده الى جيبه واخرج مكتوباً عرفت للحال ممن يكون . تبينت عليه خط الآنسة اولغا ، كتبته على عجلة بعد ذهابها من عندي ومرت بجبران في طريقها الى محطة القطار ، لتودّعه ولتطلعه على تفاصيل القصة .
جلس جبران بقربي على الديوان وراح على عادته يوجه لي الاسئلة كأنه مستنطق يحقق في دعوى هامة . وكان يعلق على اجوبتي ويحلل الموقف وانتهى اخيراً الى القول :
- انا فخور بك يا يوسف ، لانك برهنت انك شهم ولبيت نداء العقل لا القلب ، وليس سهلاً ان ينتصر العقل على رغبات الجسد ...
- هسّ ... قلت له واضعاً اصبعي
على فمي : هسّ ... المسألة خصوصية .. جد خصوصية ... وقد انتهت فصولها بسلام ، فلنُرخِ عليها الستار ...

قالت لي الآنسة سوسان وقد وجدتها وحدها في المكتبة الفنية تنفض الغبار عن الكتب واللوحات :
- مجدوب ! اهكذا تركت اولغا تفلت من يدك ؟ لماذا لا تعلّم فنونك لصاحبك كلمي ؟ فقد علق ! خطب ، وقريباً سيتزوج ، والقصة لا تخلو من الفكاهة ، تعال اجلس لاخبرك اياها .
فقلت لسوسان ، غير مخف استغرابي لما اسمع :
- هل هذا ممكن ؟ هل هذا صحيح ؟ صديقي كلمي علق ؟ وكنت اظنه اكثرنا مناعة ومقاومة لهذه الامور .
هزت الآنسة سوسان رأسها وقالت بشيء من التحدي او التشفي :
- انتم الرجال تحسبون انفسكم ذوي مناعة . لكن كل واحد بدوره له يوم يعلق على المصلاية ! اسمع الحكاية كما هي :
لنا صديق في دائرة التشريفات بسفارة انكلترا ، دعا كلمي مؤخراً لحضور سهرة راقصة بمناسبة ذكرى تتويج الملك ادوار فطلب كلمي من صديقه ، على سبيل المزاح ، ان يقدمه مع لقب « كونت » .. وكان بين المدعوين الآنسة استير ، جاءت من لندن لتعنى بتجارة ابيها ، فعنّ على بالها هي ايضاً ان تحمل لقب « لايدي » ولما التقى الكونت كلمي اللايدي استير ، هي فاتنة ساحرة وهو بهيّ الطلعة ، رقصاً وتبادلا الحب ما طاب لهما ، وجاء حبها كالصاعقة ، جارفاً عنيفاً ، وحتى بعد ان اكتشفا