واقع، استجمع كل شجاعته الأدبية وبدأ يروي قصة جده «جبران» قال:
- كان جدي لا يخرج من بيته إلا حاملاً سيفه. ولا يغمض له جفن ما لم يكن السيف إلى جنبه. وحدث مرة أن أحد الأساقفة أهدى كنيسة بلدتنا صور «درب الصليب».
هنا قاطعه أحد الحضور مستفهماً عن معنى «درب الصليب» فسارعت أنا إلى النجدة وشرحت له المعنى باختصار، وكمّل جبران القصة:
- علّق الكاهن الصور في الكنيسة وقرع الجرس يدعو الناس للتجمع ومشاهدتها. وجاء جدي مع جمهور الناس، وطبعاً كان سيفه معه!، وابتدأ الكاهن يشرح مشيراً إلى أول صورة:
- هذا هو سيدنا يسوع المسيح في بستان الزيتون.. وهؤلاء الجنود يحاولون القبض عليه...
سحب جدي السيف نصف سحبة وقد جحظت عيناه من شدة الغضب. ثم كظم شعوره وأرجع السيف إلى غمده يستمع إلى باقي الشرح:
- وهذه الصورة يا أولادي تمثل سيدنا يسوع المسيح وعلى رأسه إكليل الشوك... وهذا الجندي يصفعه..
- «دين دين» صرخ جدي جبران، بل زأر بصوت كالرعد: «هنا في بشري تضرب المسيح؟؟» وسحب السيف على مداه هذه المرة وضرب الجندي فكسر الزجاجة والإطار والصورة!.
ضج الجميع بالضحك والتصفيق وصاحت ليا مرددة:
- الجائزة لجبران! الجائزة لجبران!
علّق كالمي:
- اشكروا يا إخوان يهودا الصاووت أن جد جبران لم يكن عائشاً في زمن المسيح، إذ ربما يكون دافع عنه وأنقذه من الصلب! فزادت ليا:
- ولكانت المسائل تخربطت كلها!
حمل جبران العلبة المحلية - ماله وحلاله - وانصرفنا قبيل منتصف الليل. كانت السماء صافية وقد انتشرت فيها النجوم المشعشعة، وثمة قمر يوصوص علينا من خلف الأشجار على جانبي الشارع،
وكلانا في سيره متطلع إلى فوق بصدر ناهض، وقلب خفقه المرح حتى الانتشاء. ولم نطق الصبر أكثر، ففتحنا العلبة فإذا فيها حبات شكولاته صنع سويسرة وحبات من الملبس الفاخر، وقد توسط العلبة صورتان لسوسان وليا، كل واحدة ضمن إطار صغير، كان طبيعياً أن يعطيني جبران صورة سوسان، ويحتفظ لنفسه بصورة ليا. أعطاني كذلك حبات الشكولاته وأبقى الملبسات لنفسه ..

